الصلح في المادة الجنائية

الصلح في المادة الجنائية

تبعا لما تقدم، فإننا سنقسم هذا الفرع الى المباحث الثلاثة الآتية :

المبحث الاول الصلح  في القوانين الجنائية

المبحث الثانيالصلح في القوانين المدنية

المبحث الثالثالصلح  في بعض المهن المساعدة  والموازية للقضاء

 

المبحث الاول : الصلح في القوانين الجنائية :

القوانين الجنائية بصفة عامة،  هي مجموعة من القواعد القانونية التي تحدد  بها الدولة الافعال التي تعتبر جرائم،   لم تحدثه  في المجتمع  من اضطراب وعدم استقرار وانعدام الامن والطمأنينة، وفي النفوس  من خوف وقلق، وكما تحدد لها العقوبات الكفيلة بردع مرتكبيها.

والمبدأ ان نطاق القوانين  الجنائية كله من النظام العام  ولا مجال لارادة الاطراف في تحديد  هذا النطاق او  التاثير فيه، وما دام الصلح   عبارة  عن اتفاق بين الطرفين،   ونقطة لتقاطع إرادتهما، فان المفروض الا يؤثر  أي صلح في الميدان الجنائي لان أمن المجتمع واستقراره  يهم جميع افراده ويعلو على المصالح الفردية،   ولذلك   ينبغي الا يترك الافراد يتصرفون فيه بالصلح أو غيره الا فيما يتعلق بحقوقهم المدنية.

 

لكن هناك جرائم معينة يتضرر منها بعض الافراد وبعض المؤسسات  بصفة خاصة،  واعتبارا لمصلحتهم   ارتاى  المشرع وبصفة استثنائية ان يسوغ لهم ابرام  مصالحة بشانها،  والا يتم تحريك  المتابعة الا بناء على   شكاية  المتضرر، وسحب هذه الشكاية يؤدي الى وضع حد لهذه المتابعة، وللاستمرار في اجراءات التنفيذ الحكم  حتى في حالة صدوره، وهذه الحالات موزعة بين القانون الجنائي، وبين عدة  قوانين جنائية  خاصة وكذا  مشروع المسطرة الجنائية الذي تتم مناقشته  حاليا.

 

أولا : الصلح في القانون الجنائي

يمكن القول بان القانون الجنائي يهدف  الى حماية الاسرة  والحفاظ  على تماسكها،   وعلى تنمية روح المودة والألفة بين أفرادها عندما سمح لهم بالتحكم في تحريك الدعوى العمومية ضد بعضهم، وفسح المجال امامهم لابرام  الصلح في جنح معينة أهمها:

 

1- قضايا إهمال الأسرة:

فطبقا  للفقرة الثانية من الفصل 481  من القانون الجنائي " لا يجوز رفع هذه الدعاوى الا بناء على شكوى من الشخص المهمل او المستحق  للنفقة او نائبه  الشرعي، مع الادلاء بالسند الذي يعتمد عليه، غير انها ترفع مباشرة من طرف  النيابة العمومية عندما يكون النائب  المذكور  هو المقترف  للجريمة" والدعاوى المشار اليها  في هذه الفقرة هي جنح  اهمال الاسرة المنصوص عليها في الفصلين 479 و480 (29) والمتعلقة  بقيام الاب او الام بمغادرة بيت الاسرة دون  عذر قاهر لمدة تزيد على شهرين، والتخلص من واجباته  المتعلقة بالولاية الشرعية او الحضانة او  الإيصاء، أو الانفاق على  الزوجة الحامل او الاصول او الفروع.

 

2- الخيانة  الزوجية :

طبقا  للفصل 491 من القانون الجنائي   يعاقب مرتكب الخيانة الزوجية بالحبس من سنة الى سنتين، لكن لا تجوز المتابعة في هذه الحالة الا بناء على شكاية  الزوج او الزوجة المجني عليها.

وطبقا للفصل 492،  فان تنازل احد الزوجين عن  شكايته يضع حدا لمتابعة الزوج المشتكى به، فاذا  وقع التنازل بعد صدور حكم غير قابل للطعن، فانه يضع حدا  للاثار المترتبة عن الحكم.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

29- ينص الفصل  479 من القانون الجنائي على ما ياتي : " يعاقب بالحبس من شهر الى سنة وبالغرامة من  200  الى 2000 درهم باحدى هاتين  العقوبتين فقط :

1)- الاب  او الام اذا ما ترك احدهما بيت الاسرة  دون موجب قاهر لمدة   على شهرين وتملص من كل أو بعض واجباته المعنوية والمادية الناشئة عن الولاية أو الوصاية أو الحضانة.

ولا ينقطع اجل الشهرين الا بالرجوع الى بيت الاسرة رجوعا ينم عن ارادة استئناف الحياة العائلية بصورة نهائية.

2)- الزوج الذي يترك عمدا،  لاكثر من شهرين ودون موجب قاهر، زوجته وهي يعلم انها حامل".

والفصل : 480 منه على ما ياتي : " يعاقب بنفس العقوبة من صدر عليه حكم نهائي  او قابل   للتنفيذ المؤقت بدفع نفقة إلى زوجة أو احد اصوله أو فروعه أو امسك عمدا عند دفعها في موعدها  المحدد. وفي حالة العود يكون الحاكم   بعقوبة الحبس حتمياوالنفقة التي يحددها  القاضي تكون واجبة الاداء في محل  المستحق لها ما لم ينص الحكم على خلاف ذلك".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

3- السرقة بين الأقارب

بناء على الفصل 535  من القانون الجنائي لا يمكن تحريك  الدعوى العمومية من اجل السرقة  اذا كان المال المسروق مملوكا لأحد اصول السارق او احد  اقاربه او اصهاره الى الدرجة الرابعة الا بناء على شكاية المجني عليه وسحب هذه الشكاية يضع حدا للمتابعة.

 

ثانيا الصلح في القوانين الجنائية الخاصة

هناك عدة قوانين جنائية خاصة تنص على امكانية  ابرام الصلح بين الطرفين المتضرر من الفعل الذي يتابع من اجله الجاني وهذا الاخير. ويبدو ان المشرع في هذه القوانين اعتبر ان الامر يتعلق بمخالفات للقانون سببت أضرارا مادية ومالية للمشتكي ولذلك منح لهذا الاخير حق ابرام مصالحة بشانها، كما هو الحال بالنسبة للمخالفات الجمركية (30) واحتكار التبغ، ومخالفة قانون الصرف، والقانون المنظم للصيد البحري.

 

1- الصلح في مدونة الجمارك :

بناء على مقتضيات القسم الثالث من مدونة الجمارك وخاصة الفصل 249 فان تحريك الدعوى العمومية يتم من طرف وزير المالية او مدي ادارة الجمارك أو احد ممثليه المؤهلين لهذا الغرض.

 

وطبقا لاحكام  القسم السادس من هذه المدونة فان لادارة الجمارك الحق في ابرام مصالحة مع الاشخاص المتابعين قبل الحكم النهائي او بعدة (31)  وبعد المصادقة على الصلح من طرف ممثل الادارة يصبح نهائيا  ويلزم الاطراف  بشكل لا رجوع فيه، ولا يمكن ان يطعن فيه باي طعن (32) ويسقط كلا من الدعوى العمومية والدعوى المدنية، كما ان له صبغة  عينية  بحيث اذا ابرم  مع احد المتابعين فقط، فانه سيسري على الباقي وعلى شركائهم والمتواطئين  معهم  وعلى مسئوليهم المدنيين (33).

 

2- الصلح  في مخالفات ضوابط وقانون المسطرة :

ان المخالفات المرتبطة بقانون الصرف، وتحويل او ترويج العملات  لا يمكن ان  يتم تحريك المتابعة فيها الا بناء على شكاية ممثل الادارة المكلفة بمراقبة الصرف طبقا للفصل 9 من ظهير 30 شتنبر1949 المتعلق بزجر ما يرتكب من المخالفات للضابط  المتعلق بالصرف (34).

كما انه طبقا للفصل الحادي عشر من  نفس الظهير فانه : " يسوغ  لمدير المالية أو لنائبه ان يتصالح مع مرتكب الجنحة ويعين نفسه  شروط تلك المصالحة، وسيؤدي نزع شكايته قبل صدوره الحكم الى التخلي على المتابعات".

 

3- الصلح في  قانون الصيد البحري:

الصيد البحري والنهري بالمغرب منظم بعدة نصوص قانونية اهمها  ظهير 27 شوال1393 هـ الموافق 23 نونبر1973 (35) والذي يحدد القواعد العامة المتعلقة  بممارسة الصيد البحري، وترتيب مختلف انواع الشباك

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

30- مع ملاحظة ان المشرع قد يعاقب  على فعل، ويجيز للمشتكي ابرام المصالحة مع الجاني حتى  ولم لم تلحق به اية اضرار مادية  والفصل 214 من مدونة الجمارك  ينص على ما ياتي :   " تغلب على الغرامات الجنائية المنصوص عليها في المدونة صبغة تعويضات مدنية،  غير انها تصدر عن المحاكم الزجرية ويجب الحكم بها في جميع الحالات ولو لم تلحق  المخالفة أي ضرر  مادي  وبالدولة".

31- الفصل 273 من مدونة الجمارك.

32- الفصل 274 من مدونة الجمارك.

33- الفصل 276 من مدونة الجمارك.

34- الجريدة الرسمية 1929.

35- من هذه القوانين :

ظهير 25/3/1922 المتعلق بجعل ضابط لتعاطي الصيد البحري بواسطة المراكب ج. ر 467.

ظهير شريف  مؤرخ بـ 21/7/1923 المتعلق بمراقبة الصيد ج. ر 537.

ظهير شريف بتاريخ 15/12/1938  المتعلق   بضبط  المتاجرة بالمصيد ج. ر 1370.

ظهير شريف فصي انشاء مجلس اعلى للصيد والمؤرخ بـ 2/6/1950  ح. ر 1967.

ظهير شريف بشان تكوين مال للتعاضد والضمان يخصص بالتجهيز المتعلق بصيد السمك الصناعي مؤرخ بـ 22/5/1955 ج. ر 2215.

بالاضافة آلي عدة مراسيم وقرارات وزارية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

وكذا انواع الطعم المسموح باستعمالها كما يبين وسائل الصيد الممنوعة وحجم الاسماك المأذون باصطيادها، ومختلف ضوابط الملاحة والمراقبة المطبقة  على بواخر  الصيد،  واخيرا العقوبات التي يعاقب  بها كل  مخالفة لاحكام هذا الظهير.

 

وبناء على مقتضيات الفصول 53 و54، 55 منه (36) يمكن ابرام مصالحة بشان المخالفات المنصوص عليها والمعاقب عليها في هذا الظهير،  على الا يقل مبلغ المصالحة باي حال من الاحوال عن الحد الادنى للغرامة المقررة في القانون، ويمكن ابرام المصالحة قبل الحكم  وبعد صدوره، لكن في هذه الحالة لا مفعول لها الا بالنسبة لها للعقوبات المالية والتعويضات المدنية.

 

ويختص بابرام المصالحة رئيس القيادة البحرية اذا كانت العقوبة  المقررة او المحكوم بها بما فيها التعويض  المدني لا تتعدى 3000 دهـ، ومدير البحرية التجارية والصيد البحري اذا كان  مبلغ الغرامة يتراوح ما بين ثلاثة الاف (3000) وعشرة الاف درهم،  ووزير الصيد البحري  اذا زاد المبلغ على ذلك.

 

4- الصلح في قضايا التبغ :

بناء على احكام الفصل 89 من ظهير12 نونبر1932 كما عدل وتمم والمتعلق بجعل نظام لانواع التبغ بالمغرب واحتكار زارعته ترويجه ومحاربة التهريب.

يجوز لشركة  التبغ  ان تجري المصالحة مع الشخص المخالف  لاحكام الظهير، اما قبل   صدور الحكم  او بعده،  غير انه في الحالة الاخيرة  لا يقع  الاعفاء الا من  العقوبات المالية  المتعلقة بارتكاب الغش.

 

وبصفة  عامة،  فهناك العديد من القوانين الجنائية الخاص تنص على ان تحريك الدعوى العمومية متوقف على شكاية المتضرر، وبان هذا  الاخير يسوغ له  حتى بعد تقديم شكايته ان يبرم الصلح مع المشتكي به وفي اية مرحلة من مراحل البحث او  المحاكمة وان من اثار هذا الصلح وضع حد للمتابعة ولتنفيذ الحكم (37) وهو ما  يدل على ان الصلح خاصة في الميدان الجنائي، يؤدي دورا مهما في تسوية كثير من النزاعات كما يخفف   على المحاكم ويحافظ على العلاقات الاجتماعية والروابط الأسرية، ولذلك يتعين تفعيل هذه القوانين وتسجيل ابرام الصلح لتحقيق المزيد من النتائج.

 

ومعلوم بان القضاء كثيرا ما يراعي جنوح الطرفين للصلح حتى في القضايا التي ليست الشكاية شرطا  للمتابعة فيها، كقضايا الضرب  الجرح،  وقضايا اصدار الشيك بدون مؤونة حيث يمتع المتابع بظروف التخفيف، ولعل هذا  ما حذا بالمشرع الى سن  مقتضيات  جديدة تسير في هذا الاتجاه  في مشروع مدونة المسطرة الجنائية الذي  تجري مناقشته حاليا.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

36- الفصل53: يمكن ابرام مصالحة بخصوص الزجر عن المخالفات المنصوص عليها والمعاقب عليها في ظهيرنا الشريف هذا.

ولا يمكن ان نشمل  المصالحة بعد صدور الحكم الا  العقوبات المالية والتعويضات المدنية.

ولا يجوز في أي حال من الاحوال ان يقل المصالحة  عن  المقدار الادنى للغرامة المطبقة

الفصل 54 يمارس حق المصالحة :

1- رئيس القيادة  البحرية اذا كانت العقوبة المحكوم بها او المقررة بما فيها  التعويضات المدنية تقل عن 3000 درهم او تعادلها.

2- مدير البحرية  التجارية والصيد البحري  اذا كانت العقوبة  تتجاوز 3000 درهم  وتقل عن 10000 درهم او تعادلها.

3- الوزير المكلف  بالصيد البحري اذا كانت العقوبات المذكورة تتجاوز 10000 درهم.

الفصل 55 : تامر السلطة التي تبرم المصالحة بمصادرة وبيع الشباك واجهزة والات الصيد باتلافها إذا كانت الشباك واجهزة وسائل الصيد مذكورة وممنوعة.

37- ظهير بمثابة قانون الصحافة لسنة 58 الفصل 71 ج ر 2404 مكرر.

ـ القانون رقم 12-90 المتعلق بالتعمير الفصل 67  جر4159.

ـ ظهير شريف يتعلق بحفظ الغابات  واستغلالها مؤرخ بـ 10/10/1917  فصل 57.

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0