الذمة المالية للزوجين استقلالية قانونية واتحاد فعلي

الذمة المالية للزوجين  استقلالية قانونية واتحاد فعلي
تأكيدا لمبدأ استقلال الذمة المالية للزوجين الذي تقرره الشريعة الإسلامية جاء الفصل 49 من مدونة الأسرة لينص صراحة على أن النظام الجاري العمل به في المغرب هو النظام المالي القائم على فصل الذمم المالية للزوجين بكل ما يعنيه من احتفاظ كل زوج بملكية أمواله ملكية تامة متمتعا بكافة حقوقه التي يقرها له القانون باعتباره مالكا، فالزواج في القانون المغربي إذا كان يرتب حقوقا شخصية متبادلة كما هي واردة في الفصل 51 من مدونة الأسرة، فإنه لا يرتب أية آثار على أموال الزوجين.

غير أنه إذا كان من المقرر فقها وقضاءا وقانونا انفصال الملكية واستقلال كل من الزوجين بأمواله فإن هذه النظرة لا تعدو أن تكون مجرد نظرة سطحية، ذلك أن معيشة الزوجين في أسرة واحدة واتصال الحياة بينهما يستتبعان وجود علاقات مالية مشتركة على أرض الواقع، وهذا الواقع وحده هو الذي يضبط نظام الأموال بينهما ويقر بوجود حياة مالية مشتركة على غرار الرابطة الشخصية المشتركة .

ففي الواقع الراهن يمكن لدراسة اجتماعية أكثر منها قانونية الوقوف على القواعد التي تنظم العلاقة المالية بين الزوجين، فإذا كان كل من الزوجين يتمتع بحرية التصرف في أمواله وبالحق في إدارته واستغلاله واستثماره بالطريقة التي يرغب فيها دون أدنى تدخل من الطرف الآخر، فإن هذا الوضع النظري غالبا ما يتشابك إلى درجة التعقيد على أرض الواقع، ذلك أن الحياة الزوجية تفرض تداخل المصالح بينهما، وعلى هذا الأساس قد يتولى الزوج إدارة مال زوجته بل أن الأمر قد يتجاوز ذلك إلى التصرف، والزوجة كذلك قد تنوب عن زوجها في إدارة الشؤون المالية المشتركة خصوصا في وقتنا الحالي، فتعقد العقود الخاصة بشراء الطعام والملابس والأثاث، وهي في هذا كله تقوم مقام الزوج بحكم المعاشرة الزوجية، وإن حدث واخطأ أحدهم التصرف في إدارة أموال الآخر كأن يتجاوز المألوف فيقع منه إسراف أو يتسبب في ديون ليست بالهينة فإن الطرف الآخر يتحمل مسؤولية ذلك ، ففي ظل هذه الحياة المشتركة كيف لنا أن تتصور عدم تدخل الزوج خاصة بالنسبة لبعض التصرفات الخطيرة التي قد تبرمها الزوجة؟ كما يمكن أن نسوق في هذا الباب مثالا آخر من صميم واقع الحياة الزوجية والمتمثل في الجهاز أو الشوار الذي قد تأتي به الزوجة لإعداد وتوفير ما يحتاج إليه بيت الزوجية من منقولات وأدوات من مهرها أو من مال أبيها الخاص، فإذا قامت هي بإعداده وأقام معها زوجها فذلك إنما يكون على سبيل التسامح والتعاون وتكون إقامته معها وانتفاعه بالسكنى في هذا المسكن إنما هو انتفاع متفرع عن حق زوجته، وتابع لها في استمرارها معه طيلة حياتهما المعيشية المشتركة ، وهذا الانتفاع يكون مفروضا بقوة الواقع وإلا لما أمكن الحديث عن وجود حياة زوجية بمفهومها الحقيقي.

كما أن الشريعة الإسلامية التي أقرت استقلال ذمم الزوجين كمبدأ عام، لا تنفي وجود هذا الاتحاد بل على العكس من ذلك فهي ترغب فيه وتدعو إليه لتوحيد الرؤى والمصالح بين الزوجين لما يمكن أن ينتج عنه من الاندماج والانسجام المؤدي إلى تدعيم وتوطيد العلاقة بينهما في احترام متبادل لخصوصية وشخصية كل زوج الشرعية والقانونية ، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز "هن لباس لكم وانتم لباس لهن" ، بمعنى أن هناك وحدة، فحياتها تلبس حياته وحياته تلبس حياتها.

ومن الناحية القانونية المحضة، إذا كان النظام المعمول به هو القائم على الاستقلال التام بين الأموال، فبين المبدأ أو تجلياته القانونية قد يكون الفرق شاسعا ففكرة الانفصال التام لا تنفي وجود نوع من التداخل المنسجم بين أموال الزوجين، تداخل ارتآه المشرع بالنظر إلى الأهداف النبيلة لعقد الزواج وما يحمله من دلالات الحياة المشتركة القائمة على المودة والرحمة، لذلك فالانفصال الظاهر قد تحده بعض النصوص ذات الطبيعة القانونية أو العرفية .

وهذا ما يمكن أن نستشفه من مسألة في غاية الأهمية هي انه إذا كان كل من الزوجين يتمتع بالحرية المطلقة في التصرف في أمواله فمشرع مدونة الأسرة يقر لكل منهما بحقوق على ذمة الآخر لفائدته أو لفائدة الأسرة فالزوجة تتمتع بحق على مال الزوج طالما أن نفقتها واجبة عليه ، مهما كانت مواردها المالية.

(الفصل 194 من مدونة الأسرة) فيكون لها إذا امتنع الزوج عن الإنفاق عليها أن تأخذ من ماله ما يغطي حاجياتها كما أن الزوجة ترد على ذمتها المالية حق الأسرة والزوج في الإنفاق في حالة عسر هذا الأخير الكلي أو الجزئي (الفصل 199 من مدونة الأسرة).

كما أن المشرع المغربي إيمانا منه بالاتحاد الفعلي لمصالح ولأموال الزوجين وكذلك بعدم وجود حد فاصل بين ذمتيهما المالية قرر عدم إمكانية قيام جريمة السرقة في حالة أخذ الزوج أو الزوجة المال المملوك للطرف الآخر، وإنما أعطى الحق للطرف المتضرر بالحصول فقط على تعويض مدني ، جبرا للضرر اللاحق به إذ لا ضرر ولا ضرار.

وكخلاصة يمكن القول أن نظام الأموال في المغرب ما زال قائما على الفصل بين الذمم، إلا أن المشرع المغربي رأى أن هذا المبدأ الذي بقي قائما ومستقرا في القانون المغربي ردحا من الزمن قد أصبح اليوم غير منسجم تمام الانسجام مع الوضعية الواقعية الحالية للأسرة المغربية، التي يقوم الزوجان داخلها بالاشتراك في كل الأعباء العائلية وفي إدارة شؤونها واتخاذ القرارات المتعلقة بإدارة الأملاك الخاصة بكل منهما مع وضع كل مواردهما المادية والمعنوية من أجل رعاية مصالح الأسرة، والحفاظ على الروابط الزوجية.

وهذه الضرورة يبدو هي التي دفعت المشرع المغربي إلى التخفيف من حدة الفصل الجامد لأموال الزوجين إذ بعدما أكد على الأصل وهو استقلال كل زوج بذمته المالية أقر إمكانية دمج أموالهما عن طريق الاتفاق على استثمارها وتوزيعها (الفصل 49 من مدونة الأسرة).

ومن هذا المنطلق يمكن التعبير عن هذه الاتجاهات الجديدة التي بدأت تعرفها اليوم قوانين الأسرة في العالم والتي لا يمكن المفاضلة بينهما إلا بإبراز إيجابيات وسلبيات كل نظام.

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0