الأسس القانونية

الأسس القانونية
لقد جاءت مدونة الأسرة بفلسفة جديدة لتنظيم العلاقة الزوجية قوامها العدل والمساواة في الحقوق والواجبات، بغية تحقيق التوازن في المراكز القانونية للزوجين، فجعلتهما معا يتحملان مسؤولية تسيير ورعاية شؤون الأسرة ، وهو ما يؤكد مفهوم المشاركة في الحياة الزوجية وترسيخ مبدأ التعاون والتكافؤ للنهوض بمستوى الأسرة من الناحيتين المعنوية والمادية.

ولئن كانت مبادئ العدل والإنصاف تقضي المساواة في تحمل المسؤولية، فإنها تستلزم أيضا الاستفادة المشتركة من الحقوق والمكتسبات التي تم تحصيلها طيلة الحياة الزوجية المشتركة.

غير أنه إذا ما حاولنا تلمس هذه المبادئ في العلاقة الزوجية كما ترسيها مدونة الأسرة، خاصة في شقها المتعلق بالحقوق المالية للزوجة بعد الطلاق، نلاحظ أن الفصل 49 من المدونة المتعلق بأموال الزوجين لم يشر إلى حق الزوجة في مقابل عملها كما نادى به جل المهتمين بقضايا الأسرة، الشيء الذي يفتح الباب للتساؤل حول ماهية الوسيلة القانونية التي ستضمن للزوجة حقها في ما ساهمت في تكوينه وتحصيله؟ أي ما هو الأساس القانوني الذي ستستند عليه الزوجة في دعواها بهذا الشأن؟ ألا يمكن إعمال نظرية الإثراء بلا سبب في هذا المجال كما ترسيها القواعد العامة للإلتزام؟ فالفصل 66 من قانون الالتزامات والعقود ينص على أن: "من تسلم أو حاز شيئا أو أية قيمة أخرى، مما هو مملوك للغير بدون سبب يبرر هذا الإثراء، إلتزم برده لمن أثرى على حسابه".

كما أن الفصل 67 من نفس القانون ينص على أن "من استخلص بحسن نية نفعا من شغل الغير أو شيئه بدون سبب يبرر هذا النفع، إلتزم بتعويض من أثرى على حسابه في حدود ما أثرى به من فعله أو شيئه".

فهذه النصوص جاءت عامة في صياغتها تمنح الحق لكل من يدعي إثراء الغير على حسابه بدون سبب مشروع المطالبة بالتعويض مما لحقه من ضرر، فيمكن للزوجة إذن أن تستفيد من دعوى الإثراء بلا سبب ضد زوجها لتتمكن من استرداد ما أثرى به زوجها على حسابها، وعليها فقط إثبات تحقق الأركان لتي تقوم عليها دعوى الإثراء بلا سبب، المتمثلة في حصول إثراء الزوج وافتقار الزوجة والعلاقة السببية بين هذا الإثراء والإفتقار.

والإثراء في ذمة الزوج يمكن أن يحصل بشتى السبل والوسائل، فيكون بالتلقي والحصول، والكسب، والزيادة، والاستعمال، والانتفاع، وغير ذلك من الأحوال التي تختلف باختلاف المال محل الإثراء والفعل الذي يؤدي إليه، كما أن الإثراء الذي يحصل للزوج قد يكون إيجابيا وقد يكون سلبيا، فيكون إيجابيا إذا ما قامت الزوجة بفعل ساهم في إضافة قيمة مالية إلى ذمة الزوج، بأن يكتسب حقا عينيا أو شخصيا أو أن يزيد في ما كان يملكه من قبل، كأن يكتسب ملكية أرض سدد ثمنها من قبل الزوجة، أو خصص راتبها الشهري مثلا لإدخال تحسينات عليها فأدت إلى زيادة قيمتها، أو قامت بتجهيز منزله بأدوات تنقصه كوسائل التهوية أو التدفئة ، إلى غير ذلك من التصرفات التي تثري الذمة المالية للزوج.

كما أن إثراء الزوج قد يكون سلبيا، والصورة البارزة والشائعة في مجتمعنا المغربي التي يتحقق من خلالها هذا النوع من الإثراء، هو تحمل الزوجة بالنفقة على البيت والأولاد أو تقاسمها مع الزوج، خاصة إذا علمنا أنها ملقاة في الأصل على عاتق هذا الأخير، كما تنطبق أيضا على حالة الزوجة التي تقوم بالخدمة المنزلية، لأنها بتوليها لها تكون قد عملت على تثمير مالية الزوج من حيث أنها توفر عليه الكثير من النفقات كان من الممكن أن تهدر كتكلفة تأجير خادمة فيكون بذلك مثريا على حسابها لأن الزيادة في ذمته المالية تتحقق سواءا بزيادة الجانب الإيجابي وبقاء الجانب السلبي على حاله، أو بنقص الجانب السلبي وبقاء الجانب الإيجابي على حاله.

أما افتقار الزوجة المشترط لدعوى الإثراء وإلزام المثري بالتعويض، فهو الذي يناقض الإثراء أو يقابله في معناه، أو الذي ينتج مع الإثراء، ولولاه لما وجد الإثراء ولا قامت دعوى بذلك، فإذا تحقق إثراء في جانب الزوج ولم يقابله افتقار في جانب الزوجة فلا يلزم بشيء اتجاه أحد، وعلى فرض إلزامه –جدلا- فلمصلحة من ؟.

فعدم وجود الافتقار كعدم وجود الإثراء.

إضافة إلى هذا على الزوجة أن تثبت في دعواها الصلة بين الإثراء والافتقار، أي أن إثراء زوجها ناتج عن افتقارها، الذي قد يكون ماديا إذا ساهمت نقدا في تكوين ثروة زوجها، وقد يكون معنويا إذا كانت مساهمتها عبارة عن عمل أو خدمة منزلية.

فإذا ثبتت دعوى الإثراء بلا سبب بجميع أركانها استحقت الزوجة تعويضا عن النفع الذي قدمته لزوجها لأنه يكون قد استفاد دون سبب، ولا يمكن القول حينئذ أنه استند على أساس الزوجية.

أما التعويض فإنه يقدر في حد أعلى هو مقدار ما اكتسبه الزوج فيما يمكن تقديره بذاته، وإن لم يكن من المستطاع تقديره في ذاته قدر بما يقابله من افتقار مماثل تقديرا موضوعيا .

من خلال ما تقدم أقول أنه إذا لم نراعي تطبيق نظرية الإثراء بلا سبب في مجال الأسرة، نكون من جهة قد خالفنا نصوصا قانونية صريحة ومن جهة أخرى نكون قد تجاهلنا عدة مبادئ تقوم عليها الشريعة الإسلامية، منها قوله تعالى: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وانتم تعلمون" .

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0