الخبرة في قانون المسطرة المدنية المغربي

الخبرة في قانون المسطرة المدنية المغربي
الأمر بإجراء خبرة هو توجه المحكمة لصاحب علم أو دراية بفن أو صناعة ذي تخصص، لتستعين به في التحقق من عناصر واقعية معينة يؤثر وجودها أو انتفاؤها في مصير الدعوى، ولتستهدي بملاحظاته ورأيه فيها، وليكشف لها عن حقائق ووقائع يكون التحقق منها ضروريا لتحديد وجه الحكم.

وهذا ما أكد عليه الفصل 59 من قانون المسطرة المدنية، حين حدد نطاق الخبرة في العناصر التقنية التي لا علاقة لها بالقانون مطلقا.

وتعرف الخبرة كذلك على أنها: استشارة تقنية تطلبها المحكمة من شخص ذي كفاءة علمية تؤهله لمعاينة وقائع مادية، يصعب على المحكمة معاينتها لافتقادها لتلك الكفاءة.

كما عرفها بعض الفقه المغربي على أنها، مجموع العمليات والتقارير التي يقوم بها الخبير المعين من طرف المحكمة للجواب على أسئلة علمية أو فنية وتقنية، يتوقف عليها البث في النزاع، ولا علاقة لها بالمقتضيات القانونية وتطبيقها، الذي يعتبر من صميم عمل القاضي.

كما عرفها الأستاذ محمد الكشبور بأنه " الخبرة في جوهرها إجراء من إجراءات التحقيق، يلتجئ اليها قضاء الموضوع عادة قصد الحصول على المعلومات الضرورية بواسطة أهل الاختصاص، وذلك من أجل البث في مسائل علمية أو فنية، تكون عادة محل نزاع بين الخصوم في الدعوى، ولا يستطيع أولئك القضاة الإلمام بها والتقرير بشأنها دون الاستعانة بالغير".

بينما عرفها البعض الآخر بأنها " إجراء من إجراءات التحقيق يعهد بواسطته القاضي لشخص مختص يسمى الخبير، بمأمورية تنور معارفه في المسائل التقنية أو الفنية التي يتوقف ادراكها الفصل في النزاع، أو بمأمورية معاينة وقائع مادية يشق على القاضي الوصول إليها".

وعرفها كذلك الأستاذ " زعيم إبراهيم" بأنها " الإجراء الذي يستهدف الاستعانة بدوي الاختصاص، والاسترشاد بآرائهم لجلاء مسألة غامضة يحتاج حلها إلى دراية علمية فنية تخرج عن إطار التكوين العام للقاضي".

وبالرجوع إلى أحد قرارات محكمة النقض سنجدها قد تعرضت الى تعريف الخبرة القضائية بأنها:" وسيلة من وسائل الإثبات، تملك معها المحكمة سلطة تقديرية، لا تخضع لرقابة محكمة النقض".

في حين اعتبرتها محكمة النقض في قرار آخر صادر عنها وسيلة للتحقيق، حيث جاء فيه ما يلي:" الخبرة تعتبر وسيلة تحقيق وليس إثبات".

وهو ما أكدته كذلك في قرار آخر، حيث اعتبرت الخبرة اجراء من إجراءات التحقيق بقولها:" إن الخبرة إجراء للتحقيق قصد إعداد الحجة.

.

.

".

والملاحظ من خلال استقراء القرارات أعلاه أن توجه محكمة النقض عرف تدبدبا، إذ لم تستقر بخصوص الطبيعة القانونية للخبرة القضائية، وبذلك تكون قد خالفت توجه المشرع المغربي الذي اعتبر الخبرة القضائية وسيلة من وسائل التحقيق وليس وسيلة إثبات، والتي نظمها في الفصول من 59 إلى 66 من ق.

م.

م، والتي ينحصر مجالها في تقدير الوقائع وليس تنوير القاضي في المسائل القانونية.

وعليه لا يجوز للقاضي تكليف خبير تكليف الخبير للبحث في المسائل القانونية، وإلا أضحى ذلك تنازلا عن ولايته واختصاصه وتفويضا منه لسلطاته القضائية، وبذلك ينحصر اختصاص الخبير في بحث المسائل الواقعية التي تدخل ضمن اختصاصه، دون إمكانية تجاوزها إلى الخوض في المسائل القانونية أو إعطاء رأيه بخصوصها، والتي تبقى من صلاحيات واختصاصات القاضي.

2- أنواع الخبرة القضائية- تعتبر الخبرة القضائية كما رأينا سلفا إجراء من إجراءات التحقيق تأمر به المحكمة تلقائيا، أو بناء على طلب أحد الأطراف أو كليهما، كلما عرضت عليها مسألة واقعية (فنية) تحتاج الى تشخيص من دوي الاختصاص بغية إعطاء فهم وتوضيح لهذه الوقائع الفنية التي تدخل في صميم اختصاص شخص يسمى " الخبير".

والخبرة القضائية ليست صنف واحد وإنما هي أنواع مختلفة سنحاول أن بينها في هذه النقطة، بحيت سنبدأ حديثنا بالخبرة المضادة (أ)، بعد ذلك الخبرة الجديدة (ب)، وأخيرا الخبرة التكميلية (ت).

أ‌- الخبرة المضادة- تعرف الخبرة المضادة على أنها نوع من أنواع الخبرة تقتضي انتداب خبير أو عدة خبراء جدد للنظر وتوضيح المسائل الفنية التي جعلت المحكمة تلتجأ الى الخبرة، ويصدر بشأنها أمر أو قرار تمهيدي، وتنجز وفقا للشروط والشكليات المتطلبة قانونا، واللجوء الى هذا النوع من الخبرة مسألة موضوعية تندرج ضمن السلطة التقديرية لمحاكم الموضوع، إذ لها وحدها ولو طلبها الخصوم سلطة تقرير ما إذا كانت هناك فائدة منها أم لا.

ويستفاد من هذا التعريف أن الخبرة المضادة إنطلاقا من تسميتها، تقتضي بداية وجود خبرة أولية قامت بها المحكمة، وتمت المنازعة بشأنها، وهو المنازعة بشأن الخبرة هو بيت القصيد الذي جعل المحكمة تأمر بخبرة مضادة إما لإثبات صدق الخبرة الأولى أو تفنيدها.

وعليه فالخبرة المضادة وكتوضيح أكثر لما قلنا أعلاه لا يؤمر بها ابتداء، وإنما بعد وجود خبرة سابقة، كما تفترض وجود منازعة في هذه الخبرة، ويكون موضوعها غالبا مقارنة صحة معطيات وسلامة الإجراءات وصدق نتائج الخبرة الأولى من حيث نتيجتها.

ب‌- الخبرة الجديدة- هي الخبرة التي تؤمر بها المحكمة عندما ترفض نهائيا الخبرة الأولى لأي سبب من الأسباب، كالبطلان مثلا، وبطلان الخبرة لا يؤثر على الدعوى القائمة أمام القضاء، بل أن أثرها ينال من الحكم التمهيدي بإجراء خبرة، إما بإلغائه والاستغناء عن الخبرة أو بإلغائه واستبدال الخبير.

وفي هذا السياق ذهبت محكمة الاستئناف بالحسيمة في قرار لها إلى الاستجابة لملتمس إجراء خبرة جديدة بناء على طلب أحد الأطراف، بدعوى أن الحكم المستأنف اعتمد على الخبرة التي أنجزها خبير لا علاقة له بالشؤون العمرانية ومسائل البناء التي هي من اختصاص المهندسين، الذين هم المؤهلون لإجراء الخبرات على الدعامات والأسوار والسقوف، إلا أن نتيجة الخبرة الجديدة رغم اسنادها إلى مهندس مختص جاءت مطابقة للخبرة الأولى وأكدتها، الشيء الذي اعتبرته المحكمة مصادفا للصواب يتعين اعتماد نتائجهما معا.

ويستفاد من التعريف أعلاه أن الخبرة الجديدة لها حكم تبعي، إذ تؤمر بها المحكمة عند الغاء الخبرة الأولى، وسبب الغائها يرجع اما الى بطلان إجراءاتها أو قد يرتكز بتجريح الخبير الذي قام بها، وإجراءات الخبرة أمام القضاء المدني، لها تقريبا نفس الأحكام بالنسبة للخبرة القضائية في المادة الجنائية.

ت‌- الخبرة التكميلية- هي كل خبرة تأمر بها المحكمة عندما ترى نقصا واضحا في معطيات ونتائج الخبرة المقدمة لها في الدعوى، أو أن الخبير لم يجب عن جميع الأسئلة أو لم يتطرق إلى كل النقط الفنية التي عين من أجلها، أو أنه لم يجري البحث كما يجب.

وهذا ما يجعل المحكمة تأمر باستكمال ذلك النقص الملحوظ في تقرير الخبرة، وتقرر اجراء خبرة تكميلية، وتستند هذه الأخيرة إلى الخبير الذي قام بإنجاز الخبرة الأصلية أو خبير آخر حسب السلطة التقديرية الممنوحة للقاضي.

ثانيا: أحكام الخبرة القضائية- لا ضير أنه متى قامت في الدعوى المرفوعة أمام القضاء مسألة يتطلب حلها معلومات لا يأنس القاضي نفسه الكفاية العلمية أو الفنية، كإجراء حساب معقد أو معاينة عقار أو إثبات حالة أو تحديد نسبة الأضرار المادية أو الجسدية في حوادث السير وغيرها، أو تقدير التعويض الواجب للمصاب في حوادث الشغل والأمراض المهنية وغيرها، فالخبرة بذلك تعتبر وسيلة تحقيق في الدعوى.

وعليه فالأمر بإجراء الخبرة القضائية يقتضي اسنادها الى شخص مؤهل ومتخصص يدعى الخبير، وهو ما يستدعي منا (1) التعرف على إجراءات تعيينه وتجريحه، والوقوف في النقطة الثانية (2) على مسطرة إجراء الخبرة.

1- إجراءات تعيين الخبير واختصاصاته- إن تعيين الخبير أمر موكول لسلطة القاضي التقديرية، والتي بموجبها يعطيه القانون حق الاستجابة لطلب الخبرة في الحالة التي يطلبها أحد الخصوم أو كليهما، أو عدم اجراءها[28]، في الحالة التي يتقرر قانونا على المحكمة الاستعانة بها .

والتعرف على إجراءات تعيين الخبير واختصاصاته، يقتضي معالجة مسطرة تعيينه وتبيان الحقوق المخولة له قانونا(أ)، تم بعد ذلك تسليط الضوء على اختصاصاته في مجال الخبرة القضائية (ب)، وتوضيح مسطرة التجريح وأسبابه (ت).

أ‌- مسطرة تعيين الخبير- تطبيقا لمقتضيات الفصل 59 من قانون المسطرة المدنية يتم تعيين الخبير من طرف القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية إما بشكل تلقائي أو بناء على الطلب الذي تقدم به أحد أطراف الدعوى، وكما هو معلوم لا يمكن اختيار الخبير إلا من ضمن الخبراء المسجلين في لائحة الخبراء القضائيين التابعين للمحكمة التي تنظر في النزاع، كما يمكن تعيين خبير خارج تلك اللائحة كلما اقتضت الضرورة ذلك، وفي هذه الحالة يجب على الخبير الذي عين خارج الجدول أن يؤدي اليمين القانونية أمام السلطة القضائية قبل مباشرته لمهامه، تحت طائلة بطلان الاجراء الذي يتم إنجازه.

وهذا ما قضت به محكمة النقض في قرار لها بتاريخ 18 يونيو 1980، على أنه:" الدفع بعدم أداء الخبير غير المحلف اليمين نقطة قانونية يمكن التمسك بها في الخبرة واو بعد اجراءها عملا بالفصل 59 من ق.

م.

م".

ويكون للطرف الذي له مصلحة في ذلك اثارة الدفع بالبطلان في المستنتجات التي يدلي بها عقب الخبرة، كما يمكن اثارة نفس الدفع في مرحلة الاستئناف كوسيلة من وسائل الاستئناف، شريطة أن تكون قد تمت إثارته أمام محكمة الدرجة الأولى.

وتجدر الإشارة كذلك أنه وعملا بمقتضيات المادة 66 من ق.

م.

م، فقد أعطى المشرع للقاضي الحق في انتداب أكثر من خبير، إذا ما اعتبر أن ظروف القضية تدعوا إلى ذلك، ويقم الخبراء في حالة تعيينهم كلهم مجتمعين بإنجاز الخبرة المسندة إليهم، وتحرير تقرير يبين كل الإجراءات والعمليات التي تم القيام بها وضرورة توقيعه من طرفهم في الحالة التي ينجزون تقريرا واحدا مشتركا.

وقيام الخبير بإجراءات الخبرة القضائية يتوقف على إعطائه لحقوقه المخولة له قانونا، وهي أتعابه التي تراعا فيها المجهودات وقيمة العمل والعناية التي يستلزمها والزمن الذي سيقضيه في ذلك، ما لم يطلب الزيادة في الأتعاب بعد انتهائه من مهامه، أو يأمر القاضي بأداء أتعاب تكميلية، والمحكمة هي التي تحدد المبلغ الجزافي الذي سيتقاضاه الخبير والطرف الملزم بأدائه.

وتطبيقا لمقتضيات الفصل 56 من ق.

م.

م يأمر القاضي بإيداع مبلغ مسبق يحدده لتسديد الصوائر تحت طائلة رفض طلب الخبرة، ما لم يكن أحد الأطراف قد استفاد من المساعدة القضائية.

وهذا ما أكدته محكمة النقض في قرار لها، والذي جاء فيه:" عدم إيداع طالب الخبرة أتعابها داخل الأجل المحدد، يؤدي إلى صرف النظر عن الخبرة، لكن يبقى الخيار للمحكمة في أن تستجيب للطلب، أو ترفضه حسبما تستنتجه من دراستها للقضية في إطار سلطتها التقديرية".

وطبقا للفصل 57 من نفس القانون، فالخبير يمنع عليه تسلم أي مبلغ مباشرة من الأطراف، تحت طائلة التشطيب عليه من الجدول، وهو أجراء سليم يبعد الشبهات بما في ذلك التأثير على الخبير.

ب‌- اختصاصات الخبير- يتعين على الخبير أن يحصر تدخله على النقط التقنية المحددة بشكل حصري في الأمر الصادر عن السلطة التقديرية التي قامت بتعيينه، ويترتب عن خرق هذه القاعدة بفعل تجاوز الخبير للحدود المحددة من طرف القضاء بطلان التقرير الذي تم إنجازه، وهو ما يمنع على الخبير إبداء آرائهم بخصوص مسائل قانونية تتعلق بتأويل القانون أو بتحديد المقتضيات القانونية الواجبة التطبيق.

وقد أكد القضاء المغربي على هذه المقتضيات في العديد من القرارات، يمكن الوقوف على بعضها، من ذلك قرار محكمة النقض بتاريخ 3 يناير 1995، والذي جاء فيه ما يلي:" مهمة الخبير تقنية لا أتر لها على ما يرجع النظر فيه للقضاة الذين لهم وحدهم حق مناقشة الدعوى في إطارها القانوني.

المحكمة التي اعتمدت على تصريحات الأشخاص المستمع إليهم من طرف الخبير، وبنت قضاءها على ذلك جعلت قرارها معرضا للنقض".

هذا من جهة، ومن جهة أخرى يتوفر الخبير كذللك أيا كانت الجهة القضائية التي قامت بتعيينه على سلطات واسعة للتحري والبحث، ويمكنه استنادا على هذه السلطات أن يستمع إلى كل الأشخاص الذين يتواجدون في الأماكن التي يقوم بزيارتها تنفيذا للمهام المنوطة به، غير أن التصريحات الصادرة عن هؤلاء في هذا الصدد لا تتوفر على نفس الحجية التي منحها القانون لشهادة الشهود، وبالتالي فهي لا تنتج نفس الأثر.

ولا تنحصر اختصاصات الخبير في النقاط المذكورة أعلاه، بل يجب عليه اعداد تقرير مفصل لمجمل العمليات والمهام التي قام بها، وقد يكون شفويا أو كتابيا، وضرورة إيداعه إذا كان كتابيا داخل الأجل الذي يحدده القاضي لدى كتبة ضبط المحكمة المختصة، ويقوم كاتب الضبط بإشعار الأطراف فور ايداعه قصد الاطلاع عليه، أما بخصوص التقرير الشفوي فيتعين على كاتب الضبط أن يحرر محضرا يضمنه كافة العناصر التي أشار اليها الخبير تطبيقا لما نصت عليه المادة 60 من قانون المسطرة المدنية.

غير أن المشرع المغربي رتب جزاء على عدم قيام الخبير بالمهام المسندة إليه داخل الأجل المحدد أو لم يقبل القيام بها، بحيث أعطى للقاضي استبدال الخبير المعين من طرفه تلقائيا أو بناء على طلب أحد الخصوم وتعيين خبير آخر محله، وهذا ما نصت عليه مقتضيات الفصل 61 من ق.

م.

م، وتجري مسطرة استبدال الخبير كما تم التنصيص عليها في الفصل أعلاه بدون حضور الأطراف، وإنما اشعرهم بإجراء الاستبدال، وهذا ما تم التأكيد عليه من طرف محكمة النقض في إحدى قراراتها، والذي جاء فيه ما يلي:" تعيين الخبير بدل آخر لا يستلزم حضور الأطراف، ولا وقوعه في جلسة.

.

.

".

ت‌- مسطرة تجريح الخبير- سمح المشرع المغربي لأطراف النزاع بتجريح الخبير، والتجريح يقصد به الطعن في نزاهة الخبير، أو على الأقل ادعاء أسباب من شأنها التشكيك في حياده ونزاهته، بشكل يؤثر على مصالح الطرف المجرح.

ويقصد كذلك بالتجريح تنحية الخبير عن المهمة التي أنتدب إليها، حتى يأتي رأيه بعيد عن مظنة التحيز ومحاباة خصم على حساب خصم آخر، وبعيدا عن دافع الحقد أو الانتقام لكي تكون خبرته موضح طمأنينة وللمحكمة عند الاستعانة بها.

غير أنه يشترط لذلك أن يتم التجريح هذا بطلب موقع من المعني بالأمر أو وكيله داخل أجل خمسة أيام من تبليغه بتعيين الخبير، حيث تبث المحكمة في الطلب بحكم تمهيدي غير قابل للطعن إلا مع الحكم البات في الجوهر، ولا تقبله إلا بسبب القرابة القريبة أو لأسباب أخرى خطيرة، تبقى للمحكمة سلطة تقديرية واسعة بشأنها، تطبيقا لمقتضيات المادة 62 من ق.

م.

م.

وهذا ما أكدته محكمة النقض في قرار لها:" الأمر القاضي بتعيين الخبير أو استبداله ينبغي أن يبلغ لمن يعنيهم الأمر ليتمكنوا من ممارسة حقهم في التجريح قبل القيام بإجراءات الخبرة ما دام من يعنيه الأمر قد تمسك بهذا التبليغ ليتسنى له ممارسة حقه في تجريح الخبير.

.

.

".

والفصل 62 من ق.

م.

م في صيغته القديمة، في حديثه عن أسباب التجريح، أشار فقط إلى القرابة القريبة، والأسباب الخطيرة، وهي إشارة تبقى معه هذه الأسباب غامضة، وتقديرها موكول إلى اجتهاد القاضي وفطنته.

بيد أن الصيغة الجديدة للفصل 62 من نفس القانون، كما وردت بالقانون 00-85 أضفت ايضاحا على القريبة القرابة، وأضافت أسبابا أخرى لتبرير إبعاد الخبير عن العملية التي انتدب اليها.

ولا شك في ذلك أن المشرع كان موفقا الى حد ما، فهو بعد أن بين درجة القرابة والمصاهرة المانعة من إنجاز الخبرة، أشار كذلك إلى سبب هام جدا وهو إذا عين الخبير في غير مجال اختصاصه.

وعليه ومن خلال الفصل 62 أعلاه، فإن تجريح الخبير يتعين الإعلان عنه قبل اجراء الخبرة تحت طائلة عدم قبوله.

لكن هذا يبقى رهين أولا بتبليغ المقرر القضائي بتعيين الخبير للأطراف، وثانيا بانكشاف سبب التجريح قبل إنجاز الخبرة، وكون هذا السبب لم يظهر، ولم يعلم به الأطراف إلا بعد إجراء الخبرة أو أتناءه يسمح لهم التمسك به لاحقا.

وبتالي فإذا انكشف سبب التجريح بعد عملية الخبرة، جاز لمن له مصلحة في إثارته في إبانه، وإذا ظهر بعد ذلك أي أتناءها، فلا شك أن التمسك به يجب إعلانه قبل مناقشة موضوع الخبرة، بل وقبل كل دفع شكلي.

وهذا الذي سبق قوله هو مجرد رأي تم استقاؤه مما نص عليه الفصل 80 من ق.

م.

م، والذي يؤكد على وجوب إبداء التجريح في الشاهد قبل أداءه للشهادة، عدا إذا لم يظهر سببه إلا بعد ذلك.

كما أنه يمكن استبدال الخبير أو الخبراء الذين تم تعيينهم من طرف المحكمة التي تنظر في النزاع إما تلقائيا أو بناء على طلب من له مصلحة في ذلك، ويتم التغيير بشكل تلقائي على الخصوص في الحالة التي لا يلتزم فيها الخبير المعين بإيداع تقريره داخل الأجل المحدد.

وهذا ما أكدته محكمة النقض في قرار لها، بحيث قضت بأن:" الخبير الذي عينته المحكمة أثناء جريان الدعوى لا يمكن تعويضه إلا بطريقة قانونية وبعد إعلام الفريقين وإلا كان الحكم المبني على تقرير الخبراء باطلا".

2- إجراءات الخبرة القضائية- لقد حدد المشرع المغربي إجراءات الخبرة القضائية كإجراء من إجراءات التحقيق في المادة المنية في الفصول من 63 إلى 66 من قانون المسطرة المدنية بالإضافة إلى الفصول المشار اليها أعلاه، وتشمل انتداب الخبير للقيام بهذه المهمة كشخص متخصص في الخبرات العلمية والتقنية، ويتطلب عمله في هذا الصدد استدعاء الأطراف (أ)، ومحاولة إجراء الصلح بين الأطراف والاستماع إلى أقوالهم (ب)، ثم بعد ذلك يجب على الخبير انجاز تقرير عن مجمل العمليات التي تهم الخبرة وايداعه لدى المحكمة (ت).

أ‌- استدعاء الأطراف- يجب على الخبير أن يستدعي الأطراف ووكلائهم لحضور إنجاز الخبرة، ويتضمن الاستدعاء تحديد تاريخ ومكان وساعة إنجازها، وذلك قبل خمسة أيام على الأقل قبل الموعد المحدد، وهذا ما نصت عليه المادة 63 من قانون المسطرة المدنية والذي جاءت مقتضياته على الشكل التالي:" يجب على الخبير تحت طائلة البطلان، أن يستدعي الأطراف ووكلائهم لحضور انجاز الخبرة، مع إمكانية استعانة الأطراف بأي شخص يرون فائدة في حضوره".

من خلال استقراء مقتضيات الفصل أعلاه يمكن القول إن المشرع المغربي ألزم الخبير باحترام مبدأ الحضورية أو الوجاهية خلال عمليات تنفيذ الخبرة، ويظهر ذلك من صيغة الوجوب الواردة في النص، حيث إن المشرع جعل هذا الالتزام من النظام العام.

وهذا ما أكده القضاء المغربي في أحد قرارات محكمة النقض والذي جاء فيه ما يلي:" الفصل 63 من قانون المسطرة المدنية يكتسي صبغة آمرة ويتعلق بحقوق الدفاع يجب احترامه مهما كانت طبيعة الخبرة، ولهذا تكون المحكمة قد خرقت النص المذكور عندما بررت عدم استدعاء الأطراف لحضور الخبرة الطبية بكونه شخصا عاديا لا يمكن له القيام بأي دور في موضوع الخبرة التي تستند على معلومات وأجهزة طبية هي في متناول الخبير وحده".

كما اعتبر القضاء في قرار آخر أن:" الخبرة الطبية وإن كانت تحتوي على جانب تقني، فإن استدعاء الأطراف للحضور عند الفحص ضروري، وذلك لتمكينهم من ممارسة حقهم في الدفاع والتأكد من أن الفحص يجري على المريض المتضرر، وليمكنهم من ابداء ملاحظاتهم حول طريقة تنفيذ الخبرة، وأن الحكم المطعون فيه عندما اعتبر أن الخبرة تقنية لا تحتاج إلى استدعاء الخبير للأطراف رغم تمسك الطالب بذلك يكون قد مس بحقه في الدفاع خارقا للقانون".

هذا بالإضافة إلى أن الفصل أعلاه رتب جزاء بطلان الخبرة في الحالة التي لا يقوم فيها الخبير باستدعاء الأطراف ووكلائهم لحضور إجراءاتها، وقد أحسن المشرع صنعا لأنه لم يترك أي مجال للخبير ولسلطة القاضي في هذه المسألة.

وما يجب لفت النظر اليه أن الدفع المتعلق بالاستدعاء وإجراءاته تتعين إثارته قبل كل دفع أو دفاع في موضوع الخبرة، وإلا كان غير مقبول عملا بعموم الفصل 49 من ق.

م.

م.

وهذا ما أكدته محكمة النقض في قرار لها، حيث جاء فيه ما يلي:" يجب إثارة الدفع بعدم استدعاء الأطراف من طرف الخبير قبل كل دفع في الموضوع".

إلا أنه يمكن في حالة الاستعجال القصوى التي تقتضيها ظروف القضية، أن يأذن القاضي المقرر أو المحكمة التي تنظر في النزاع للخبير بإنجاز مهمته دونما حاجة إلى استدعاء الأطراف تطبيقا لما نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 63 من ق.

م.

م.

ب‌- محاولة إجراء الصلح بين الطرفين والاستماع إلى أقوالهم- بمقتضى الفصل 63 من ق.

م.

م قبل تعديله بالقانون رقم 00-85، ثم القانون رقم 11-33، منح من خلاله المشرع المغربي للخبير حق إجراء محاولة الصلح بين الأطراف، وعلى الخبير أن يشير لهذا الاجراء في تقريره عند الاقتضاء.

ومن الفقه من ذهب في هذا الاطار إلى أنه:" والغريب أن المشرع المغربي يسمح للخبير الذي يعمل تحت إمرة القاضي بإجراء محاولة الصلح، بينما القاضي لا يملك هذا الحق في أغلب القضايا، باستثناء بعض القضايا كقضايا الأحوال الشخصية والقضايا الاجتماعية، ولعل إبقاء صلاحية إجراء محاولة التصالح بين الأطراف أمام الخبير، هي من مخلفات المسطرة المتبعة أمام محاكم الصلح في ظل التنظيم القضائي القديم، والتي تعتبر في محاولة اجراء التصالح بين الأطراف الجانب المهم من المسطرة، سواء أمام قاضي الصلح أو أمام الخبير، لذا ندعوا المشرع المغربي لحذف مسطرة التصالح أمام الخبير، وأن يمنح صراحة للقاضي صلاحيته بهذا الشأن، وهو بهذا سيحذو حذو التشريعات المقارنة كالتشريع الفرنسي.

وهذا ما استجاب اليه المشرع المغربي بعد تعديله الفصل 63 من ق.

م.

م بالقانون 00-85 ثم بالقانون 11-33، ولكن بالعودة إلى مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية في مادته 63 في الفقرة ما قبل الأخيرة، نرى أن المشرع أعاد مقتضى قيام الخبير بمحاولة الصلح بين الأطراف إلى الواجهة.

ت‌- وضع الخبرة وإيداعه من خلال استقراء مقتضيات الفصل 60 من قانون المسطرة المدنية يتضح لنا أنه يتعين على الخبير بعد انهاء عمليات انجاز الخبرة أن يضع تقريرا يضمن فيه مجمل العمليات والأعمال التي قام بها وما توصل اليه من نتائج وهو بصدد المهمة المنوطة به من طرف المحكمة، ما يضفي على هذه الاجراء نوع من الإلزامية ما أشار اليه المشرع في الفصل 61 من نفس القانون، حيث رتب جزاء على عدم تنفيذ الخبير للعمليات المنوطة به أو التأخر في إيداعه التقرير.

كما ألزم المشرع الخبير بالتوقيع على التقرير لتكون له الصفة الرسمية، وذلك بنصه في الفصل 66 من ق.

م.

م في فقرته الثانية على أنه :" يقوم الخبراء بأعمالهم مجتمعين ويحررون تقريرا واحدان فإذا كانت آراؤهم مختلفة بينوا رأي كل واحد والأسباب المساندة له مع توقيعه من طرف الجميع".

وبمجرد إيداع التقرير من طرف الخبير ومناقشته من طرف الخصوم وابداء آرائهم بشأنه، تصدر المحكمة حكما تعبر فيه عن موقفها إزاء التقرير، إما أن تأخذ بتقرير الخبرة برمته بأسبابه ونتائجه، أو تأخذ جزء منه حسب الأحوال، وفي حالات أخرى يمكن للمحكمة أن تصرح ببطلان تقرير الخبرة لمخالفته للقانون، أو أن تأمر بحضور الخبير أمامها لتقدير الإيضاحات والمعلومات اللازمة مع إشعار الأطراف بالحضور عند استدعاء الخبير تطبيقا لما نص عليه الفصل 64 من ق.

م.

م، وأخيرا قد تعهد بالمأمورية إلى خبير أو خبراء آخرين في حالة بطلان الخبرة الأولى أو في حالة عدم اطمئنان المحكمة لنتائجها.

وهذا ما أكدته محكمة النقض في قرار لها بأنه:" تعيين المحكمة خبرة ثانية لا ينبئ عن اقتناعها بالخبرة الأولى أو الثانية، إذ لها كامل السلطة في تقرير قوة إثبات الخبرة الأولى التي عملت بها".

وفي ما يخص حجية الخبرة القضائية فالمحكمة غير ملزمة بالأخذ برأي الخبير المعين ويبقى لها الحق في تعيين خبير آخر من أجل استيضاح الجوانب التقنية في النزاع ( الفصل 66 من ق.

م.

م)، كما يمكن للمحكمة الحكم في الدعوى دون الاستناد الى المستنتجات التي خلص اليها الخبير، غير أنه يتعين في هذه الحالي أن تقوم المحكمة بتعليل حكمها تعليلا سليما[62] من خلال توضيح الأسباب التي جعلتها تستبعد تلك المستنتجات، ويتعرض الحكم أو القرار المشوب بنقصان التعليل في هذه الحالة للإبطال أو النقض.

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0