مساهمة الزوجة في الإنفاق على بيت الزوجية

مساهمة الزوجة في الإنفاق على بيت الزوجية
لعل انه من اعقد المسائل وأكثرها حدة التي تناقش اليوم في أحكام الأسرة، مسألة مشاركة المرأة زوجها في النفقة إذا كانت موظفة أو صاحبة أجر، ولإن كان هذا الأمر معمولا به في كثير من الأسر من اجل التعاون على أعباء الحياة ومتطلباتها، فإنه في بعض الأحيان يكون اشتغال المرأة خارج بيتها ومطالبة الزوج إياها بالمساهمة معه في الإنفاق عاملا من عوامل التفرقة.

وهذا الإشكال طبعا هو نابع من صعوبة تحديد طبيعة ومستلزمات العلاقة المتبادلة بين الزوجين داخل الأسرة، وما يستتبعه من تقسيم العمل بينهما فيما يتعلق برعاية الأسرة وتسيير شؤونها، صعوبة تنبع بالدرجة الأولى عن عدم وجود معيار يمكن اعتماده كأساس لتوزيع الأعباء بين الزوجين، وحتى إن وجد فهو في كثير من الأحيان غير منضبط لتغيره من أسرة إلى أخرى وحتى داخل الأسرة الواحدة، تبعا لتغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

وقد عالج الفقهاء المسلمون مسألة النفقة داخل بيت الزوجية أثناء تناولهم لحق القوامة داخل الأسرة، والتي تعتبر من أولى واعظم الواجبات الملقاة على عاتق الزوج لقوله تعالى: "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم" .

غير أن الفقهاء أثناء شرحهم لمعنى القوامة قد جانبوا الصواب، وانحرفوا عن الفهم السديد السليم نحو فهم عازته الموضوعية في كثير من الأحيان، وكان اكثر ما تحكم فيه هو هاجس التفوق والغلبة .

فقد ذهب الحافظ ابن كثير في معرض بيانه لمعنى قوامة الرجل على المرأة "أن الرجل قيم على المرأة أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت، أي أن الرجال أفضل من النساء والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال وكذا منصب القضاء وغير ذلك، والمقصود "بما أنفقوا من أموالهم" من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، له الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيما عليها، كما قال تعالى "وللرجال عليهن درجة" الآية.

وقال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس "الرجال قوامون على النساء" يعني أمراء عليهن، فتطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وقال الحسن البصري: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو أن زوجها لطمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "القصاص".

فأنزل الله عز وجل: "الرجال قوامون على النساء" الآية فرجعت بغير قصاص" .

فبناء مفهوم القوامة على أساس الرئاسة والإمارة والطاعة والأفضلية ليس من شأنه شرح معنى القوامة وفق التصور الذي جاء به الإسلام، والذي بنى عليه العلاقات الثنائية داخل الأسرة، فالإسلام الذي أعلم البشرية أن من آيات الله أنه خلق للرجال أزواجا من أنفسهم ليحسوا معهن بالسكينة، وجعل بينهم وبينهن وشائج المودة والرحمة، وجعلهم لباس لهن وجعلهن لباس لهم ، كما جعل المرأة مساوية للرجل وجعلها شريكة له فلا تفاضل بينهما في جانب الإنسانية أو في الأصل الذي تكونا منه، إذ يقول تعـالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء" .

فالقوامة المطلوبة والتي تستقيم مع النظرة الشمولية للإسلام لما يجب أن يكون عليه حال الزوجين هي تلك التي تلقي على الزوج المسؤولية عن توفير ما يضمن للزوجة الحياة الكريمة الآمنة، وتجعل منه حارسا لعش الزوجية، فوجب عليه أن يبذل في سبيل ذلك أمواله وجهده وان يسهر على تلبية حاجيات الزوجة وأولادها، طبعا دون إعفاء الزوجة من مقابلة التضحية بمثلها في تلاحم وتضامن بينهما.

ولما كانت النفقة هي الصورة البارزة لقوامة الرجل على المرأة داخل الأسرة، فقد كان الزوج هو المكلف بمهمة الإنفاق على أفراد أسرته باعتباره مسؤولا عن شؤونها المادية والمعنوية لقوله تعالى: "وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف" وقوله: "لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله" .

أما في ما يخص السبب الذي على أساسه أوجب الشرع النفقة على الزوج لفائدة الزوجة فقد اختلف حوله الفقهاء، فذهب البعض إلى أنها تجب للمرأة من اجل تمكينها زوجها من نفسها، والذي يتحقق بمجرد دعوة المرأة زوجها إلى الدخول وهذا هو قول الأئمة الثلاثة مالك والشافعي واحمد.

أما الحنفية فقد جعلوا النفقة مقابل الاحتباس أي أن المرأة باحتباسها في البيت لا تكون لها فرصة للاكتساب فتأخذ جزاءه نفقتها بناءا على أن كل محبوسة لمصلحة غيرها يلزمه نفقتها، فالسبب إذن ليس هو عقد الزواج بل احتباس الزوج لزوجته ودخولها في طاعته، ليتمكن من جني ثمرات زواجه واستيفاء حقوق الزوجية ، فقد ورد في المغني لابن قدامة: أن المرأة محبوسة على الزوج يمنعها من التصرف والاكتساب فلابد أن ينفق عليها كالعبد مع سيده.

واضح من هذا أن الرأي الأول أقام موجب النفقة على أساس نظرة سطحية نفعية للأمور، نظرة تكرس دونية المرأة، تقصر دورها في الحياة الزوجية على مجرد تلبية الرغبة الجنسية للزوج، فكما يقول الدكتور عبد الرحمان العمراني "إن هذا التعليل فيه تغييب لجوانب مهمة في العلاقة الزوجية إذ الاستمتاع الجنسي لا يختص به الرجل ولكنه مشترك بين الزوجين، وان جعل النفقة في مقابل الاستمتاع يقلب عقد الزواج إلى عقد معاوضات ومبادلات وهو ليس كذلك" .

ويبقى الرأي الذي قال به الحنفية أقرب إلى الصحة والصواب، إذ أن استحقاق الزوجة للنفقة مرتبط باحتباسها للقيام بمصالح الزوج والأسرة، وما تقتضيه الواجبات المنزلية من توفير أسباب الراحة والسكينة، وامتثالها للالتزامات التي يفرضها عليها عقد الزواج.

ولتدعيم هذا الرأي أكثر يمكن القول أن تخصص الزوج بالإنفاق على الزوجة والأسرة، نابع من ضرورة تقسيم العمل داخل مؤسسة الأسرة، فمما لاشك فيه أن عقد الزواج يلقي على عاتق الزوجين مجموعة من الأعباء والالتزامات، التي إذا لن تؤدى على الوجه الأكمل صارت الأسرة مهددة في تسييرها وتدبير شؤونها، بل وفي وجودها ككل، ولما كانت هذه الأعباء يصعب أو يستحيل تحملها من قبل شخص لوحده فقد استوجب ذلك ضرورة تقسيمها وتخصيص كل زوج بجزء معها.

فمن الخلاصات التي توصلت إليها بعض الدراسات حول موضوع العلاقة المتبادلة بين الزوجين، يتبين أن اغلب الفقهاء يرون أنه لتدليل الصعاب والأعباء المرتبطة بالحياة الزوجية ولضمان التماسك والاستقرار داخل الأسرة، ينبغي أن يتم تقسيم العمل بين الزوجين تقسيما عادلا يراعي ما خلقت الزوجة لعمله وما خلق الزوج لعمله وما هيئ له كل واحد منهما، وان أصلح ما خلق له الزوج هو رئاسة الأسرة، وتحمله لواجباتها الاقتصادية وأعبائها المادية.

أما بالنسبة للمرأة فإن أصلح ما خلقت له كزوجة هو الإشراف على بيت الزوجية وتنظيم شؤونه وتفانيها في العمل لأداء واجبات الحياة الزوجية .

لذلك فالنفقة ليست مقابل الاحتباس فقط لأنه لو كانت كذلك لأوجب الشارع إسقاطها عن كاهل الزوج بمجرد خروج المرأة للعمل، فهي أيضا مقابل قيامها على البيت ومصالحه فهي إن صح القول كالأجرة أوجبها الشارع الحكيم على سبيل المقابلة ولا تعد أبدا تبرعا من قبل الزوج.

ولكن لا ينبغي أن يفهم من هذا على أنه تكريس لدونية المرأة وتشكيك في قدراتها وكفاءتها المهنية والعلمية أو أنها أقل ذكاءا من الرجل، وبالتالي لا تصلح إلا للأعمال اليدوية داخل البيت، بل على العكس من ذلك فهي بكفاءتها العلمية أصبحت تضاهي وتنافس الرجل في كافة المجالات، فهي اليوم مهندسة وطبيبة وأستاذة جامعية وممثلة للشعب في البرلمان.

.

.

إلخ.

بذلك فهي مساوية للرجل في التمتع بهذه الحقوق على اعتبار أن عملها خارج البيت ومشاركتها في الحياة العامة واختلاطها بالرجال في حد ذاته ليس محرما، بل هو جائز إذا كان القصد منه المشاركة في هدف نبيل، لكن مع الالتزام بالقيود الشرعية والضوابط الأخلاقية دون مبالغة قد تجعل من المرأة موضوعا لحديث تتداوله الألسنة.

فهذه المساواة مطلوبة مرغوبة في مجتمعنا، وكل ما في الأمر أننا لا نريد أن نتبنى تلك المساواة التي ترسيها الثقافة الغربية، والتي أصبحت تنادي بها بعض الجمعيات النسائية والقائمة على تقاسم المسؤوليات والأعباء الزوجية تقسيما رقميا مطلقا، وإنما المقصود هو تلك المساواة التي يؤدي فيها كل من الزوجين ما يكمل به دور الآخر، والذي يراعي الطبيعة الفطرية لكلا الزوجين وما هو أهل لتحمله، بحيث لا يكون ضروريا توزيع لكل الالتزامات بين اثنين، لأن الهدف من الرابطة الزوجية هو التكامل لا التقسيم العيني وأداء كل زوج نصيبه من عين ما يؤدي الطرف الآخر .

فلا أحد ينكر ما يوجد بين الرجل والمرأة من اختلاف وتفاضل في الصفات والخصائص، فالمرأة كجنس تتوفر على إمكانيات ومميزات ليست لدى الرجل كجنس أيضا والعكس صحيح، ويتطلب ذلك عند توزيع الأعباء الأسرية بينهما مراعاة هذا التفاوت والاختلاف الذي لا تأثير له على وظيفة التكامل والتعاون التي يقوم عليها التعايش الاجتماعي، إذ نكون أمام التفاوت الذي هو أحد أصول الخلقة الذي لا قيام لمجتمع بدونه .

وهذا التقسيم للعمل بين الزوجين –تخصص الزوج بالعمل خارج البيت والزوجة داخله- ليس من النظام العام لا يمكن مخالفته وإنما هو مجرد تنظيم داخلي للعلاقة الأسرية، نابع أساسا من المسؤولية المشتركة بينهما، كما انه من جهة لا يلحق ضررا بالزوجة ومن جهة أخرى فهو يتماشى في الوقت الحاضر مع التقاليد والأعراف السائدة التي تعتبر مصدرا من مصادر التشريع في الشرع والقانون.

فإذا ما تطورت هذه الأعراف والتقاليد في الاتجاه المعاكس أمكن أيضا قلب الأدوار بين الزوجين.

غير أن بعض فقهاء المالكية حاولوا إعفاء الزوجة من كل واجب داخل الأسرة فذهبوا إلى أن الزوجة لا تكون ملزمة لا بخدمة زوجها ولا بالأعمال المنزلية، ويبرر أصحاب هذا الاتجاه أن قيام الزوجة بالإشراف على شؤون بيت الزوجية لا يدخل فيه إعداد الطعام والتنظيف وغسل الملابس وغيرها من الأعمال المنزلية المعتادة، لعدم وجود أحكام شرعية تلزم الزوجة بخدمة الزوج، لذلك فهذا الأخير هو المسؤول عن التكاليف المادية الناشئة عن عقد الزواج، فهو ملزم بأن يهيئ للزوجة ما هي بحاجة إليه من مأكل وكسوة ومسكن وأثاث، كما عليه أن يستأجر من يقوم بخدمة البيت من تنظيف وإعداد الطعام وغيره، فحسب رأيهم عقد الزواج قائم على المعاشرة وليس على الاستخدام وبذل المنافع.

يستفاد من هذا الاتجاه الفقهي بأن خدمة البيت تعتبر من توابع النفقة الواجبة على الزوج فإذا لم يستطع هذا الأخير استئجار من يقوم بالخدمة المنزلية فإن خدمة البيت تكون عليه، لكن إذا كان الله سبحانه وتعالى قد جعل الرجال قوامين على النساء، وجعل لهم عليهن درجة، فإنه من مبادئ العدل والإنصاف أن تلزم الزوجة بخدمة البيت لأنه يعتبر من واجباتها ومن صميم طبيعتها التي تحتمها الفطرة عليها، ولأن الأحكام العامة التي يقوم عليها الزواج المتمثلة في المودة والرحمة والتضامن تقضي بضرورة مساهمتها بنصيبها في بناء الأسرة واستمرار وجودها والعمل ما في استطاعتها لتهييئ بيت الزوجية ليكون محلا صالحا للحياة السعيدة المنظمة، وعلى هذا الأساس ذهب الفقهاء المحدثون إلى أن ضرورة تعاون الزوجين على تحمل أعباء الحياة يقتضي ألا يبقى دور الزوجة مقتصرا على مجرد الإشراف وإنما يلزمها خدمة زوجها وأطفالها والقيام بمصالح البيت، لأن ظروف الحياة اليوم لا تسمح بإرغام الزوج على استئجار من يقوم بالخدمة المنزلية وإعفاء الزوجة منها.

طبعا هذا في حدود المستطاع وفي إطار تقسيم المسؤوليات والاستفادة المشتركة من الحقوق ، وهي نفس النتيجة التي خلص إليها الفقه المالكي لكن لا على أساس نص شرعي وإنما استنادا إلى العرف.

لكن رغم ذلك فالمالكية ومن خلالهم مدونة الأسرة لما أقروا بعدم إلزام الزوجة من الناحية الشرعية بالقيام بشؤون البيت إلا في حالة إذا كان العرف يقضي بذلك، فإنهم يعطون الغلبة للأعراف والتقاليد السائدة ويبتعدون كل البعد عن أحكام الشريعة الإسلامية التي تأمر بضرورة مراعاة المساواة بين الرجل والمرأة في سائر الحقوق والواجبات.

غير لأنه من الناحية الواقعية لا يقتصر دور الزوجة على التوجيه والإشراف على حد تعبير مدونة الأسرة، وإنما تقوم فعليا بالأعمال المنزلية وفقا ما يقضي به العرف لماله من أثر ملزم في النفوس، هذا العمل الذي تبقى له أهمية كبرى ودور حيوي داخل الأسرة رغم ما يتعرض له من عوامل التبخيس والتهميش ، إذ كلنا يتصور ما قد يحل بالأسرة من اضطراب إذا ما توقفت الزوجة عن أداء هذا الواجب القيم والنبيل، وهو نوع من المساهمة في الإنفاق على بيت الزوجية ولا يقل أبدا قيمة عن المساهمة المادية الواجبة على الزوج.

وإذا كان هذا الوضع مقبولا في ظل واقع كان فيه إقبال المرأة على العمل المؤدى عنه جد محتشم، حيث كان دور المرأة في غالبية الأسر يقتصر على العمل داخل البيت، لكن الآن وقد تغير الوضع الاجتماعي والاقتصادي وتقدمت المرأة في فكرها وتكوينها وأصبحت تخوض في جميع المجالات العلمية والسياسية والاقتصادية، بل حتى العسكرية وأصبحت قادرة على الاستقلال بنفسها نتيجة اقتحامها مجالات العمل والكسب ، ففي ظل هذه المتغيرات هل هناك إمكانية لجعل الزوجين يتحملان معا واجب الإنفاق على الأسرة، فتصبح الزوجة ذات الدخل ملزمة بذلك قانونا؟ ألا يعتبر الاستمرار في إلزام الزوج وحده بالإنفاق نوعا من النشاز؟ فبرجوعنا إلى مدونة الأسرة نجدها من حيث الأصل تلزم الزوج بالإنفاق على بيت الزوجية، وفق ما هو وارد في الفصل 194 الذي يقضي بأنه "تجب نفقة الزوجة على زوجها بمجرد البناء وكذا إذا دعته للبناء بعد أن يكون قد عقد عليها"، إلا أنه استثناءا تكون الزوجة ملزمة بالإنفاق إذا كانت موسرة وكان الزوج معسرا، وهذا هو الرأي المشهور لدى الظاهرية حيث يقول ابن حزم "إذا عجز الزوج عن نفقة نفسه وامرأته غنية كلفت بالنفقة عليه.

.

.

"، غير أن مشرع مدونة الأسرة لم يأخذ برأي ابن حزم في هذه المسألة من جميع جوانبها، فهو –ابن حزم- لما ألزم الزوجة بالإنفاق على زوجها المعسر لم يعطها حق طلب التفريق للإعسار وهذا جد منطقي، أما المشرع المغربي أثناء صياغته لمدونة الأسرة فقد وقع في توفيق غير منسجم عندما أخذ برأي ابن حزم في إلزام الزوجة بالإنفاق على زوجها المعسر، ثم خالفه بإعطاء الزوجة حق طلب التطليق لعدم القدرة على الإنفاق ، فبم يقضي القاضي عند مطالبة الزوج زوجته بالنفقة الواجبة عليها لإعساره، إذا ردت هي بطلب التطليق لعدم قدرته على الإنفاق عليها؟ ومهما يكن من أمر فإنفاق الزوجة الموسرة على زوجها المعسر ليس بحق للزوج المعسر بقدر ما هو واجب على زوجته الموسرة، لأن رابطة الزوجية وما يفترض أن يكون بين الزوجين من الألفة والمودة لا تترك مجالا لوصف أحدهما باليسر والآخر بالعسر فيسر الزوجة يسر للزوج، وإنفاقها عليه عند إعساره لا يمثل إلا حدا أدنى من الوفاء والحفاظ على بيت الزوجية من التفكك والانهيار.

أما في غير هذه الحالة –حالة إعسار الزوج ويسر الزوجة- فإن مدونة الأحوال الشخصية كانت تلزم الزوج وحده بالإنفاق على الأسرة حيث كان الفصل 115 يقضي بأن "نفقة كل إنسان في ماله إلا الزوجة فنفقتها على زوجها" وهذا النص كان يجد تبريره في المقولة الأساسية المبنية على ذلك التصور القانوني للزوج النموذجي المتمتع بالملاءة الاقتصادية والكفاءة المادية، لكن إذا كان الزوج أمام الظروف الاقتصادية الحالية اصبح عاجزا عن القيام بواجبه الاقتصادي على احسن وجه، وبالتالي عن تحقيق هذه المقولة التي بني عليها واجبة القانوني وهي تفوقه الاقتصادي .

في ظل هذا الواقع أليس من العدل والإنصاف أن تكون الزوجة أيضا ملزمة قانونا بالاتفاق؟ فعلى مستوى الواقع، نجد أن أغلب الزوجات اللائي يتوفرن على دخل مادي لا يترددن في الإنفاق لمساعدة أزواجهن على تحمل التكاليف والأعباء المادية للأسرة، من هذا المنطلق فإن البعض يرى انه يجب ألا ننتقل بهذا الواجب الأخلاقي من كل ما يحمله من المعاني النبيلة إلى الإلزام والالتزام القانوني والقضائي، لما سيكون له من كبير الأثر في هدم الحياة الزوجية.

لكن هذا الرأي إذا كان من جهة يجسد تلك الأسرة المثالية التي يسود داخلها جو التضامن والتعاون، فإنه من جهة أخرى لا يمكن أن يعطي أكله، إلا بوجود ثقافة واعية فردية وجماعية تؤمن بدور الأسرة في بناء المجتمع وتساهم في تطوير العقليات في اتجاه المساواة بين أفراده، وهذا ما لا نجده في كثير من الأسر فعدد غير قليل من النساء اللائي يمارسن خارج البيت وظائف ويتقاضون أجورا يحتفظن برواتبهن وأجورهن ويرفض مساعدة أزواجهن في الإنفاق، بدعوى أنها تقع قانونا على الزوج وحده، وغالبا ما يؤدي ذلك إلى نزاعات تنتهي في حالات كثيرة بالطلاق.

كما أن عدم الرقي بهذا الواجب –واجب المشاركة في الإنفاق- إلى مستوى الإلزام القانوني قد لا يخدم حتى مصالح الزوجة نفسها، فهي ملزمة بالإنفاق واقعيا معفية قانونا، مما يجعل مساهمتها تتعرض للطمس من قبل القانون الذي لا يعترف لها بأي مجهود مادي تبذله في التأهيل الاقتصادي للأسرة، فإنفاقها يظل خاضعا للتلقائية دون نظام، من ثم لا يعبر حقيقة عن إحساس بالمشاركة الفعالة، فهي متدخلة في الإنفاق بصفة غير رسمية وغير مباشرة الشيء الذي يحرمها من كل فضل .

وحسنا فعل المشرع المغربي باعتماده عبارة تستوعب هذا التوجه عند صياغته للفصل 199 من مدونة الأسرة الذي جاء فيه: "إذا عجز الأب كليا أو جزئيا عن الإنفاق على أولاده وكانت الأم موسرة وجبت عليها النفقة بمقدار ما عجز عنه الأب".

فاستعمال عبارة "العجز الكلي أو الجزئي" يجعل الزوجة مدعوة قانونا لتكملة النقص أو العجز الذي قد يبديه الزوج، وهذا التوجه بالإضافة إلى أنه يوافق الشريعة الإسلامية، فهو يتوافق أيضا مع بعض التشريعات العربية كالتشريع التونسي والسوري، كما يتوافق مع الإعلان الصادر عن المؤتمر العالمي الرابع المتعلق بالمرأة، والذي عرف الأسرة بالوحدة الأساسية في المجتمع وأكد وجوب تعزيزها، كما أكد أن المرأة تساهم مساهمة فعالة في تحقيق الرفاه للأسرة وفي تنمية المجتمع، إلا أن هذه المساهمة لازال غير معترف بها ولا تأخذ أهميتها الكاملة بعين الاعتبار مما يستوجب تبني هذه الحقيقة التي فرضها الواقع وترجمتها بنص قانوني آمر.

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0