دور القضاء في تقدير المقابل

دور القضاء في تقدير المقابل
إن المحكمة أثناء نظرها في دعوى تقسيم الممتلكات الزوجية ليست ملزمة بتقدير نصيب الزوجين في ما يدعيه كل واحد منهما، فهذا يقع على عاتق الطرفين طبقا للقاعدة المعمول بها في الإثباتات المدنية التي تقضي بأن إثبات الحق يقع على مدعيه، لكن هذا لا يعني أن تتخذ المحكمة موقفا سلبيا من النزاع، بل على القاضي نظرا لما يتمتع به من سلطة في توجيه مسطرة التحقيق أن يساعد الطرفين وان يمكنهما من الوسائل اللازمة لتقدير مقابل عملها وكذا لبيان أوجه ذلك التقدير رغم ما يكتنفه من صعوبات.

وتفاديا لهذه الصعوبات التي تطرح بهذا الصدد، حاول البعض إعفاء الطرفين من عبء تقدير المقابل بتقرير أنصبة ثابتة ومحددة سلفا بشكل جزافي، فقد جاء في مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية" احتراما للعدالة كمبدأ مؤسس للإسلام، واعترافا بتضحيات المرأة طوال الحياة الزوجية على القاضي الذي يعلن الطلاق أن يفصل في تقسيم الممتلكات المحصلة خلال فترة الزواج، وان يسمح للمرأة المطلقة بنصف هذه الممتلكات التي ساهمت فيها خلال عملها داخل البيت أو عن طريق عمل مأجور" .

وهذا هو الاتجاه الذي كانت تسير عليه أغلب القضايا التي رفعت أمام المحاكم، حيث كانت أغلب المطالبات تتضمن الحكم للزوجات بنصف ما يملكه الزوج، الشيء الذي يطرح التساؤل حول حدود إعمال السلطة التقديرية للقاضي في هذا المجال؟ فالمجلس الأعلى لم يسبق له أن اتخذ موقفا واضحا في هذا الشأن، غير انه يمكن الاستعانة في الإجابة عن هذا التساؤل بقرار كان قد أصدره المجلس الأعلى حول مسألة تقدير النفقة، جاء فيه: ".

.

.

أن قضاة الموضوع لهم الصلاحية في تحديد قدر النفقة بعد أن تتوفر لهم العناصر الدافعة إلى اعتبار الأسعار وعادة أهل البلد وحال الطرفين، كما أنهم غير مجبرين بالأخذ بالقدر المطالب به إذ بوسعهم الحكم بأقل منه أو أكثر".

فحسب هذا القرار وقياسا على النفقة، فإن قضاء المحكمة بأقل أو أكثر مما طلب منها لا يتعارض ومقتضيات الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية الذي يلزم المحكمة بالبث في حدود طلبات الأطراف.

ولقد حاول المشرع من جانبه إضفاء نوع من الموضوعية على سلطة التقدير هذه عندما أورد في الفقرة الأخيرة من الفصل 49 من مدونة الأسرة مؤشرات قد تسعف القاضي في تقدير نصيب الزوجة في الممتلكات، وتتمثل في مراعاة عمل كل واحد من الزوجين، وما قدمه من مجهودات أو ما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة.

فهذه مؤشرات يمكن أن تعتبر قرائن بسيطة يمكن إثبات عكسها.

وليكون التقدير أقرب إلى العدالة على القضاء مراعاة تواريخ كافة المشتريات من عقارات ومنقولات التي تتم في الفترة الفاصلة بين تاريخ الزواج والطلاق أو الوفاة، وكذا البيوع التي تتم للأموال المكتسبة خلال نفس الفترة، لكي تتم معرفة الحجم الحقيقي للمال المكتسب أثناء الحياة الزوجية حتى يتحدد على أساسه نصيب الزوجة المطلقة أو المتوفى عنها .

وبذلك فقد احسن المشرع المغربي صنعا عندما ترك سلطة التقدير بيد القاضي ولم يجاري المطالب التي تقدمت بها الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية المحددة سابقا، فكيف يعقل أن يحصل الزوج على هبة أو وصية أو إرث ثم يقتسمه مع الزوجة التي لم تعمل لا من قريب ولا من بعيد على تكوين هذه الهبة أو الوصية، كما أن هذا الحل لا يراعي حقوق الأشخاص الآخرين الذين ساهموا في تكوين ثروة أحد الزوجين كالإخوة والأبناء.

.

.

.

فهذا الاقتراح على فرض قبوله كان سيؤدي إلى تحويل العلاقات الزوجية التي ينبغي أن تقوم على أساس المودة، والرحمة، والمكارمة، إلى مجال للمشاحنة والصراع ، فلا يعقل أن يكون التقسيم مناصفة في كل الأحوال.

كما أنه لا يمكن أن يحكم للزوجة بنصيب في ثروة الزوج حتى ولو كانت موظفة أو صاحبة عمل مأجور ما لم تثبت مشاركتها الفعلية في تكوين تلك الثروة، وهذا ما قضت به محكمة الاستئناف بالرباط في قرار لها بتاريخ 04-04-2000 جاء فيه: "حيث أن إثبات المساهمة في الثروة المكتسبة من طرف الزوج أثناء الحياة الزوجية من لدن المستأنفة غير متأت، بحكم أن دخلها من وظيفتها الإدارية.

.

.

لا يغني عن الاعتناء الشخصي لها.

.

.

وحيث أن الكد والسعاية من لدن المرأة سواء في البادية أو الحاضرة المعتبر للتعويض عنه هو المترتب عن عمل مكسب وافر عن الحاجيات الشخصية، يصب في ثروة مادية أنشأت أثناء الحياة الزوجية".

ونظرا لكون مسألة تقدير المقابل تفترض الإلمام بالأثمنة والاطلاع على حالة السوق، والمعرفة الدقيقة بمجموعة من المعطيات المالية والاقتصادية التي تخرج عن نطاق الاختصاص العلمي للقاضي، فإن هذا الأخير غالبا ما يستعين بالخبرة في تقدير الممتلكات.

كما يتضح ذلك من خلال قرار استئنافية مراكش بتاريخ 03-03-84 جاء فيه: "للمحكمة الاستعانة بالخبرة لتحديد قيمة الذمة والممتلكات التي أنشأت خلال فترة الزواج للحكم بما ناب الزوجة من المستحق بواسطة حق الكد والسعاية".

بل إن الاستعانة بالخبرة تكون واجبة تحت طائلة النقض وفق ما جاء في قرار للمجلس الأعلى ليوم 24-07-91 ".

.

.

وصدر القرار قبل اتخاذ المستشار المقرر ما يجب اتخاذه طبقا للفصل 334 من قانون المسطرة المدنية، من أمر بإجراء بحث وإنجاز خبرة وحضور شخصي .

.

.

إلخ مما يتبين معه أن القرار خرق أبسط قواعد المسطرة".

إذا ثبت هذا بقي أن أشير أن الفصل 49 من مدونة الأسرة يتحدث عن الأموال المكتسبة خلال الحياة الزوجية، فهل هذا يعني أن الأموال التي لم تكتسب خلال فترة الزواج لا حق للطرف الآخر في أخذ نصيب منها؟.

فإذا حافظت الزوجة أو الزوج على ممتلكات شريك حياته بالصيانة والعناية والتدبير كما إذا قامت الزوجة بخدمة الزوج والأولاد والبيت ووفرت جميع السبل من اجل الحفاظ على هذه الممتلكات، أفلا تستحق عن ذلك مقابلا ؟ أمام هذا القصور الحمائي للحقوق المالية للزوجين نتساءل عن مدى الدور الذي يضطلع به المجلس الأعلى في توسيع نطاق الاستفادة من هذا الحق.

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0