الأمر بمعاينة الأماكن في قانون المسطرة المدنية المغربي

الأمر بمعاينة الأماكن في قانون المسطرة المدنية المغربي
نظم المشرع المغربي المعاينة كإجراء من إجراءات التحقيق في الفصل من 67 إلى الفصل 70 من قانون المسطرة المدنية تحث عنوان " معاينة الأماكن".

وعليه سنعالج الأمر بإجراء بمعاينة الأماكن من خلال التطرق في النقطة الأولى إلى تعريفها وموضوعها والحكمة منها (أولا)، لنخصص (ثانيا) للحديث عن إجراءات المعاينة.

-أولا: ماهية المعاينة وموضعها- يعتبر الأمر بالمعاينة إجراء من إجراءات التحقيق الهدف منها إخبار القاضي بوقائع النزاع وتمكينه من عناصر الاقناع، ولتقريب القارئ الكريم أكثر من هذا الإجراء سنتطرق إلى تعريف المعاينة (1)، ثم بعد ذلك نسلط الضوء على موضوعها (2).

1- تعريف المعاينة- تعرف المعاينة لغة على أنها: تشتق المعاينة من عاينه معاينة، أي رآه بعينه وشاهدته عيانا ومعاينة ولم أشك في رؤيتي إياه.

وفي الاصطلاح: هي أن يشاهد القاضي بنفسه أو بواسطة آمنيه محل النزاع بين المتخاصمين لمعرفة حقيقة الأمر فيه.

كما عرفها أحد الفقه بأنها:" المقارنة الحسية للشيء المتنازع فيه من طرف القاضي"، ويضيف أن هذا التعرف جاء لإبراز أن المعاينة لا تتم دائما بالمشاهدة، أي بواسطة حاسة البصر، بل يمكن تصورها بباقي الحواس الأخرى، كما أن المعاينة لا تتطلب دائما الانتقال إلى عين المكان، بل من الممكن أن يجري القاضي المعاينة في الجلسة، خاصة إذا تعلق الأمر بمنقول.

وعرفها البعض الآخر بأنها:" انتقال القاضي المكلف بالقضية أو القاضي المقرر وكامل الهيئة إلى عين المكان للوقوف على موضوع النزاع، وغالبا ما تتم هذه المعاينة في المسائل المادية لاسيما القضايا العقارية، كالنزاع على الحدود أو الأضرار التي تحدث في العقارات"، هذا بالإضافة إلى أن بعض الفقه اعتبر المعاينة بكونها أهم الأدلة في المسائل المادية، وقد تكون في بعض الأحيان الدليل القاطع الذي لا يغني عنه دليل سواها.

ويقصد بالمعاينة كذلك:" الوقوف على عين المكان لمشاهدة موضوع النزاع، ويحصل هذا غالبا في النزاعات العقارية، حيث ينتقل القاضي المقرر أو المحكمة بكاملها للمشاهدة، وتتم المعاينة بأمر قضائي بناء على طلب الأطراف أو تلقائيا من القاضي المقرر أو المحكمة، حيث يتعين في الأمر القضائي اليوم والساعة التي تجري فيها المعاينة، ويستدعون للحضور وفق القواعد العادية لتوجيه الاستدعاءات وفق ما نص عليه الفصل 68 من ق.

م.

م".

وفي هذا الصدد اعتبرت محكمة النقض إجراء المعاينة من وسائل الإثبات، جاء في قرار لها بتاريخ 25 أبريل 2001، على أنه:" المعاينة والخبرة من وسائل الإثبات التي تخضع للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع".

[69] وعليه ومن خلال ما سبق يمكننا تعريف المعاينة على أنها:" إجراء من إجراءات التحقيق الذي تأمر به المحكمة كما رأت في ذلك ضرورة أو كلما عرضت أمامها قضية تستوجب إجراء المعاينة للتثبت وتوضيح المسائل المتنازع عليها، والذي قد تقوم بها المحكمة بنفسها أو تعين لهذا الغرض قصد مساعدتها في كل ما هو تقني عند إنجازها لهذا الاجراء، كما تعد المعاينة وسيلة من الوسائل التي تساعد القاضي على بناء قناعته القضائية واصدار حكمه في موضوع الدعوى".

2- موضوع المعاينة- مما لا شك فيه أن إجراء المعاينة كغيره من إجراءات التحقيق الأخرى، لها مواضيع تختص فيها والتي يمكن أن تتعلق بما يلي: - القضايا العقارية: حيث تقوم المنازعة هنا على حدود العقار أو حيازته أو حقوق الارتفاق العالقة به أو غير ذلك.

- الدعاوى المنقولة: والتي قد يتعلق فيه إجراء المعاينة، على معاينة الخسائر المادية اللاحقة بالسيارة في دعوى التعويض المدني.

- الدعاوى الشخصية: كمعاينة شخص مثلا يطالب بتغيير عمره في دعوى الحالة المدنية.

وعليه ولتوضيح النقاط التي أشرنا إليها أعلاه، يمكن القول أنه إذا كان محل المعاينة شخصا فمن الممكن معاينته في الجلسة، إذا كان حاضرا، ما لم تسمح ظروف معينة من حضوره كمرضه مثلا، وفي هذه الحالة تتم المعاينة بانتقال المحكمة إلى مكان تواجده، وإذا كان موضوع المعاينة أشياء منقولة يمكن معاينتها بالجلسة ما دام من الممكن نقلها، على أنه إذا كان لا يجوز أولا يمكن احضارها أمام المحكمة، إما لكثرتها كأتاث المنازل، أو لاستحالة نقلها كالباخرة أو لضرورة أخد قياسها في مكانها كستائر النوافذ أو سجاد الغرفة الي طلب من أجلها، ففي جميع هذه الأحوال تضطر المحكمة للوقوف على حقيقة القضية إلى مكان النزاع، أما إذا كان محل المعاينة عقارا فإن المحكمة تنتقل إلى مكان تواجده.

ثانيا: إجراءات المعاينة مما لا شك فيه أن أمر القاضي بالمعاينة يمر بمجموعة من الإجراءات القانونية والتي تتلخص في الأمر بالمعاينة (1)، والعمليات التي تتطلبها المعاينة (2)، وتنتهي المعاينة بتحرير محضر الانتقال والذي يوثق لمجموع العمليات والإجراءات التي تم القيام بها (3).

1- الأمر بالمعاينة- تطبيقا للفصل 67 من قانون المسطرة المدنية، فإن القاضي يمكنه الحكم بمعاينة الأماكن إما تلقائيا أو بناء على طلب الأطراف، وفي جميع الحالات، فإنه متى قرر ذلك يحدد في حكمه اليوم والساعة التي تتم بها بحضور الأطراف الذين يقع استدعاؤهم بصفة قانونية، فإذا كان الأطراف حاضرين وقت النطق بالحكم أمكن للقاضي أن يقرر حالا الانتقال إلى عين المكان طبقا للفقرة الأولى من الفصل أعلاه.

وهذا ما أكدته محكمة النقض في قرار لها بتاريخ 9/02/05 على أنه:" إذا أمر القاضي تلقائيا أو بناء على طلب الأطراف الوقوف على عين المكان، فإنه يحدد في حكمه اليوم والساعة التي تتم فيها بحضور الأطراف الذين يقع استدعائهم بصفة قانونية حسب أحكام الفصل 67 من ق.

م.

م".

كما يمكنه أن يؤخر أو أن يستأنف الوقوف على عين المكان إذا لم يستطع أو لم يحضر أحد الأطراف في اليوم المحدد بسبب اعتبر وجيها.

هذا على خلاف الخبرة التي تكتفي فيها المحكمة بتعيين الخبير الذي ينتقل الى عين المكان، فإن المعاينة تتطلب انتقال القاضي نفسه، ولا يقوم شخص آخر مقامه، ولوكان أحد أعوان المحكمة، ككتاب الضبط مثلا.

وفي هذا الصدد جاء في قرار لمحكمة النقض 23 يناير 1980 بأنه :" إذا أمر القاضي بالمعاينة وجب أن يقف بنفسه على عين المكان، وله وحده حق الاستماع إلى الأشخاص الذين يعينهم ويقوم بمحضرهم بالعمليات التي يراها مفيدة، يحرر محضر الانتقال ويوقع من طرف القاضي وكاتب الضبط.

لما اعتمدت المحكمة في قضائها على محضر المعاينة التي قام بها كاتب الضبط وحده ورفضت دفوع الخصم في هذا الشأن تكون قد خرقت المقتضيات المتعلقة بالمعاينة وعرضت قرارها للنقض".

وفي حالة ما إذا كان موضوع الانتقال يتطلب مزيد من المعلومات أو لغاية توضيح بعض الأمور الفنية المتعلقة بالمعاينة، يحق للقاضي المكلف بالتحقيق أن يعين عند الاقتضاء خبيرا قصد مساعدته في كل ما هو تقني عند إنجازه لهذا الاجراء ومده بالإيضاحات التقنية، وتبقى مهمة الخبير المعين في هذه الحالة محصورة على المسائل التقنية المحضة، طبقا لما تم التنصيص عليه في الفصل 68 من ق.

م.

م.

وهذا على العكس من الخبير المعين في إطار خبرة عادية فهو لا يتوفر على الحق في القيام بالتحقيقات الضرورية، كتوجيه الأسئلة للأطراف والشهود وكل من بإمكانه مساعدته على استقاء المعلومات الضرورية على الوقائع موضوع النزاع.

وفي هذا الصدد يطرح بعض الفقه تساؤلا حول ما إذا كان يتعين احترام الإجراءات المتعلقة بالخبرة في حالة اقترانها بالمعاينة، وخاصة ما يتعلق بتجريح الخبير، ويرى وجوب احترام الإجراءات المتعلقة بالخبرة كما هي منصوص عليها في قانون المسطرة المدنية، وأن رأي الخبير يحرر مضمونه في المحضر الذي يضعه كاتب الضبط، والذي يدون فيه جميع عمليات المعاينة، على أنه ليس هناك ما يمنع القاضي من مطالبة الخبير بوضع تقرير لاحق للمعاينة ويودع بملف القضية.

2- عمليات المعاينة- عند الوقوف على عين المكان يقوم القاضي بمعاينة موضوع النزاع، كالنزاع على الحدود بين قطعتين أرضيتين أو حالة بناء أو أثار حريق أو غير ذلك، وطبقا للفصل 69 من ق.

م.

م، يجوز للقاضي أن تستمع أثناء الانتقال إلى الأشخاص الذين يعينهم وأن يقوم بمحضرهم بالعمليات التي تراها مفيدة.

ولا تستمع المحكمة الى هؤلاء الأشخاص وفق إجراءات الاستماع إلى شهادة الشهود، بحيث لا يتطلب الأمر إصدار حكم بذلك ولا أداء هؤلاء لليمين، ولا استدعاؤهم طبقا للقانون، فالاستماع إلى هؤلاء الأشخاص لا يقصد به القاضي الحصول على دليل إثبات، بل يستهدف منه تسهيل عمليات المعاينة لفهم وقائع النزاع بصورة أفضل، على أنه ليس هناك ما يمنع المحكمة من الاستماع إلى هؤلاء الأشخاص بصفتهم شهودا، على أنه في هذه الحالة يجب عليه إتباع إجراءات الاستماع إلى شهادة الشهود.

كما يمكن للمحكمة طبقا للفقرة الثانية من الفصل 67 من ق.

م.

م، أن تؤخر الوقوف على عين المكان إذا لم يستطع ولم يحضر أحد الأطراف في اليوم المحدد بسبب أعتبر وجيها.

3- تحرير محضر الانتقال- تناول المشرع المغربي محضر الانتقال في الفصل 70 من ق.

م.

م، حيث نص هذا الأخير على ما يلي:" يحرر محضر الانتقال إلى عين المكان ويوقع حسب الأحوال من طرف رئيس الهيئة التي قامت به وكاتب الضبط، أو من طرف القاضي المقرر، أو القاضي المكلف بالقضية، ويودع هذا المحضر رهن إشارة الأطراف بكتابة الضبط.

وتطبيقا لذلك ذهبت محكمة النقض المغربية في قرار لها بتاريخ 24 نونبر 2004، إلى أن:" المحكمة الادراية قررت اجراء معاينة يقوم بها السيد القاضي المقرر بمساعدة خبير في المحاسبة، غير أن هذا الأخير هو الذي استمع لأطراف النزاع بدل القاضي المقرر ولم يحرر أي محضر عن الانتقال موقع من طرفه وكاتب الضبط خرقا لمقتضيات الفصل 70 من ق.

م.

م، فيكون الحكم المستأنف لما اعتمد على محضر المعاينة المنجز من طرف الخبير قد خالف القانون".

ويوقع المحضر حسب الأحوال من طرف رئيس الهيئة التي قامت به وكاتب الضبط أو من طرف القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية، ويوضع رهن إشارة الأطراف بكتابة الضبط طبقا من نص عليه الفصل 70 أعلاه، ومن الفقه من أكد أنه من المطلوب أيضا توقيع المحضر من طرف الخبير في حالة حضوره لعمليات المعاينة.

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0