ظهور فكرة الذمة المالية في التشريعات الغربية وامتدادها إلى قوانين الأسرة

ظهور فكرة الذمة المالية في التشريعات الغربية وامتدادها إلى قوانين الأسرة
على عكس التصور الإسلامي لفكرة الذمة، لا تعني الذمة في القوانين الغربية سوى الحقوق والإلتزامات المالية فقط دون غيرها من الحقوق والإلتزامات ذات الطابع المعنوي أو غير المالي ، فهي بهذا المعنى عبارة عن وعاء تجتمع فيه ديون الشخص وائنيته، لتشكل وحدها ضمانا عاما للدائنين في استيفاء حقوقهم، ولتكون محلا للتنفيذ عليها إذا ما عجز المدين أو امتنع عن الوفاء بديونه.

ففي العصور الغابرة من التاريخ كان ضمان الدين على يقع ذات شخص المدين، بمعنى أنه إذا لم يفي الشخص بدين عليه كان لدائنه أن يسترقه وكان له في بعض التشريعات القديمة كالقانون الروماني في أقدم عصوره أن يقتله ويتقاسم أشلاءه مع غيره من الدائنين.

ومن الطبيعي أن هذا الوضع المشين لا يستقيم مع تقدم البشر، فلجأ الفكر القانوني إلى الخلاص منه رويدا رويدا، بقدر القسط الذي وصل إليه من التهذيب والوضوح، وذلك عن طريق التخفيف من حدته أولا ثم إلغائه كلية بعد ذلك، فإلى وقت ليس ببعيد كان المدين يلزم في ذات شخصه بالوفاء بديونه، وإن اقتصر ذلك على وضعه في السجن عند مماطلته حتى يفي بما عليه، وهذا ما يعرف بنظام الإكراه البدني الذي لا زال معمولا به في العديد من الدول .

هكذا إذن تحرر شخص الإنسان من عبء ضمان ديونه في كثير من الأحوال وكان لابد للفكر القانوني حينئذ أن يلجأ إلى فكرة جديدة تحل محل شخصية الإنسان في أداء وظيفة ضمان ديونه، فكان طبيعيا أن يتجه نحو أمواله، وهكذا حلت أموال المدين محل شخصيته في ضمان ديونه، لتترسخ بذلك فكرة الذمة المالية في القوانين الوضعية الحديثة.

غير أن تحديد مفهوم الذمة المالية كان يحكمه تصور آخر قبل الوصول إلى التصور القائم حاليا في الفكر القانوني الحديث، فخلال القرن 19 قام الفقيهان الفرنسيان "أوبري" و"رو" بوضع تصور للذمة المالية يقوم على أساس استخلاص فكرة الذمة من فكرة الشخصية، فهي تربط بينهما برباط وثيق ولذلك سميت آنذاك بنظرية الشخصية .

وتقوم هذه النظرية على اعتبار الذمة المالية إحدى لوازم الشخصية، فهي تنظر إليها باعتبارها المظهر المالي لهذا، وهكذا تربط تلك النظرية بين الذمة والشخصية، إذ يقول الفقيهان "أوبرى" و"رو" في هذا الصدد: "الذمة المالية في أعلى معانيها هي شخصية الإنسان ذاتها منظورا إليها في علاقتها بالأشياء الخارجية التي يباشر الشخص أو سيباشر حقوقا عليها ، فيكون بذلك للذمة المالية خاصيتين: الأولى: أن الذمة مجموعة من المال لا يمكن فصل عنصر الدائنية عن المديونية، وإلا لن نكون أمام ذمة مالية.

الثانية: الذمة هي الشخصية القانونية منظورا إليها من الجانب المالي في اندماج تام بينهما، فهما يكونان شخصا واحدا.

وفي الوقت الحاضر أصبح هذا الموقف –موقف "أوبري" و"رو"- منتقدا، خاصة بعد بروز مجموعة من الأفكار التي تقول بإمكانية وجود الذمة المالية بدون أن تستند إلى شخص معين، وبإمكانية تعدد الذمم المالية لدى الشخص الواحد، كالتاجر الذي له شركتان لكل واحدة ديون وأموال مستقلة عن الأخرى، مما أدى إلى بروز النظرية الحديثة التي سميت بذمة التخصيص، هذه الأخيرة كانت قد ترعرعت على وجه الخصوص في الفقه الألماني، قبل أن تجد صداها في اغلب التشريعات المعاصرة.

فالذمة وفق هذه النظرية هي مجموعة من الحقوق والإلتزامات تخصص لغرض معين، وما يجمع بين عناصرها فيجعل منها ذمة مالية، ليس ثبوتها لشخص معين وإنما تخصيصها لغرض معين، بحيث يمكن أن توجد الذمة بهذا المعنى ولو لم تكن مستندة على شخص فهي تجعل العبرة في وجود الذمة المالية بالغرض الذي يخصص له مجموع معين من الحقوق والالتزامات، ولذلك سميت بذمة الغرض أو التخصيص.

هذه الأفكار التي تمخضت عن هاتان النظريتان عملت جل القوانين الصادرة في تلك الفترة على تمديدها إلى نظام الأسرة كالقانون البلجيكي الصادر سنة 1932، والقانون الأرجنتيني الصادر سنة 1934، والقانون الشيلي لسنة 1934، فقد اتفقت كل هذه القوانين على أن الأموال التي يكتسبها كل من الزوجين تكون مشتركة بينهما وما يقتصده كل واحد منهما يكون داخلا في المال المشترك.

وقد رتبت بعض القوانين على مبدأ اشتراك الذمم بين الزوجين ضرورة التقسيم المتساوي لكل المكتسبات التي تراكمت خلال حياتهما الزوجية، فنظام الأموال في الدانمارك والنرويج مثلا مبني على الاشتراك بين الزوجين، فإذا انحل الزواج اقتسما المال مناصفة بينهما، ونفس المقتضى أقره القانون السوفياتي لسنة 1944 الذي نص على أن ما اكتسبه الزوجان يعد مشتركا بينهما ويقسم بالمساواة .

إلا أنه إذا كان هذا هو التوجه العام الذي سارت فيه معظم القوانين الغربية، فإن القانون الفرنسي نظم أموال الزوجين بشكل مغاير نسبيا، إذ منح الاختيار للزوجين في تحديد النظام المالي الذي يوافق مصالحها المالية، -نظام فصل الأموال أو نظام الأموال المشتركة أو نظام المشاركة في المكتسبات-، لكن في غياب نظام اتفاقي تخضع العلاقات المالية حتما لنظام الاشتراك القانوني الذي يفرضه القانون المدني.

وإذا كانت جل تشريعات الدول الإسلامية تأخذ بنظام فصل ذمم الزوجين المستمد من الشريعة الإسلامية، فإن نظام الإشتراك المعمول به في القوانين الغربية لا يرتكز على أسس دينية بقدر ما هو نتاج للفكر القانوني الحديث، فالتشريع المصري للأقباط الأرتدوكس تضمن أحكاما في هذا الصدد لا تختلف عن تلك المقررة في المذهب الحنفي، فبعدما نصت المادة 80 من لائحة الأقباط بأن المرأة لا تجبر على تجهيز منزل الزوجية من مهرها ولا من غيره، جاءت المادة 84 لتقرر أن الجهاز ملك للمرأة وحدها، فلا حق للزوج في شيء منه ، وإنما له الانتفاع بما يوضع منه في بيته.

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0