الأسس الاقتصادية

الأسس الاقتصادية
إذا كان المردود الاقتصادي لعمل الزوجة خارج البيت في وظيفة أو عمل مأجور أمرا لا يمكن تجاهله، لكونه يدر دخلا ماديا يساهم بشكل مباشر في تغطية الحاجيات اليومية لأفراد الأسرة وبالتالي في تكوين الثروة المالية، فإن الحديث عن مردودية العمل المنزلي من الناحية الاقتصادية لازال يشوبه الكثير من الغموض لعدم مساهمته بصفة مباشرة في تحسين الوضع المادي للأسرة، مما جعل آراء الفقهاء تتضارب حول مدى قيمته الاقتصادية.

فهل فعلا العمل المنزلي هو عمل فطري غير منتج، وبالتالي لا يساهم في تنمية الأسرة؟ وإذا كان كذلك فبأي منطق نبرر إلزام الزوجة بتخصيص كل وقتها لشؤون البيت وانفراد الزوج بكل ما يتوفر من مال طيلة الحياة الزوجية؟ إن الرأي الغالب في هذا المجال –على الأقل في المغرب- هو ذلك الذي يصبغ على العمل المنزلي صفة العمل البيولوجي الطبيعي كالإنجاب والتنفس، الذي يعتبر من صميم الطبيعة الفطرية للمرأة.

والذي لا يمكن أن يقوم بالمال لتستحق عنه مقابلا أو أجرة، على اعتبار أن ما ينفقه الزوج عليها هو المقابل المستحق لها لما تقوم به من أعمال منزلية داخلة في مسؤولياتها البيتية .

غير أننا نصل إلى عكس هذه النتيجة إذا انطلقنا من الرأي الذي قال به فقهاء المالكية والقاضي بأن خدمة البيت من طبخ وتنظيف وكنس.

.

.

تعتبر من توابع النفقة التي تقع على عاتق الزوج وحده، في حين يبقى للزوجة الإشراف على البيت وتنظيم شؤونه، وعلى الزوج أن يدفع أجرة من تقوم بخدمة البيت، غير أن الواقع المعيش يشهد على أن خدمة البيت والسهر على مصالحه الداخلية تقوم بها الزوجة بمفردها، وبذلك تكون هذه الأخيرة قد أعفت الزوج ووفرت عليه المبالغ التي كان سيدفعها للخدم ليستثمرها في شراء ممتلكات تسجل باسمه لوحده.

فلماذا يقر الكل بأن هناك أجرة في السوق للخدمات المنزلية، في حين تنعدم ساعة تتولى الزوجة أمر القيام بها؟ لاشك أن هذا الإشكال ناتج عن التبخيس الذي تعرض ولازال يتعرض له العمل المنزلي من قبل الإقتصاديين، الذين اعتبروا أن العمل الذي يساهم في التنمية الاجتماعية والإنتاج القومي هو العمل المنتج لقيم اقتصادية تبادلية، وبالتالي فلا يعتبر اقتصاديا إلا العمل المأجور، وبما أن الخدمات التي تقوم بها الزوجة داخل المنزل وفي الأنشطة الفلاحية لا تتقاضى عنها أجرا فإنها لا تعتبر أعمالا ذات إنتاجية اقتصادية، وهذا ما خلص إليه آدم سميت عندما قال: أن الزوجة تعامل داخل البيت من لدن الكثير من الأزواج كخادمة، فهي على غرار الخدم تدخل ضمن الفئة غير المنتجة في المجتمع.

إلا أن بعض الاقتصاديين كـ: "كالبرايت"، رأوا في العمل المنزلي مرحلة أساسية لإعادة تشكيل القوة العاملة داخل المجتمع ككل، فهو يظهر في صورة نشاط استهلاكي ذاتي ناجم عن الحاجة إلى تكييف المنتجات وجعلها أكثر ملاءمة لمتطلبات الفرد المستهلك، وهذا عامل مساعد بذاته على استهلاك الإنتاج التسويقي ونمو الاقتصاد، ففي الأسرة يوجد المنتج للخدمات (الزوجة) ويوجد المستهلك (أفراد الأسرة)، إلا أنه يفتقد وجود مقابل لذلك الإنتاج بين المنتج والمستهلك، فالمقابل كما عبر عنه "كرستين دالفي" لا يبدأ وجوده كموضوع للدراسة إلا بعد تخطيه عتبة البيت .

من هذا المنطلق اخذ الاقتصاديون بدراسة العمل المنزلي من زوايا مختلفة، فهناك من تناول بالبحث مقدار الأجر الذي يجب للزوجة كمقابل لقيامها بالأعمال المنزلية في حالة ما إذا أصبحت هذه الأخيرة خدمات مأجورة، فقام بالتقييم المالي لكل نوع من أنواع الأعمال المنزلية على حدة، مع الأخذ بعين الاعتبار الوقت الذي تستغرقه الزوجة لإنجازه، والأجر الذي يدفع للمرأة التي تقوم بهذه الخدمات خارج البيت مقابل أجر، حتى توصلوا إلى الثمن الإجمالي الذي يجب أن يدفع إلى كل ربة بيت، ونظرا لهول المقابل الذي توصلوا إليه خلصوا إلى انه من الضروري إنصاف المرأة والاعتراف لها بإنتاجية عملها المنزلي .

كما أن هناك من تناول بالبحث العمل المنزلي كعمل منتج لقوة العمل، موضحا أن قيام النساء بالأعمال المنزلية جعل الرجال يتحرون من تحمل مسؤوليتها، لذا فالعامل لما يعود إلى بيته ويجد إمرأته تقوم بخدمته وتسهر على راحته فهو يستغل وقته في الاستراحة من تعبه اليومي مما يجعله يجدد نشاطه وقوة عمله، اليومي حتى إذا ما عاد إلى عمله في اليوم التالي أقبل عليه بنشاط وحماس جديد يؤدي إلى إعطائه الإنتاج الوفير والجيد الذي ينتظره منه رب العمل لتغطية الأجر الذي يدفع له .

وهذه الدراسات لقيت صداها في جل التشريعات الغربية الحديثة، كالقانون الفرنسي الذي اعترف بالقيمة الاقتصادية للعمل الذي تقوم به الزوجة داخل المنزل، وأصبح بذلك يدخل في المحاسبة الوطنية، أما المشرع المغربي فلا زال يعتبر العمل المنزلي عملا لا يقوم بالمال، بل يبقى بدون قيمة اقتصادية كما هو الشأن عند الاقتصاديين الينوكلاسكيين، إضافة إلى هذا فإن جهاز الإحصاء بالمغرب يسمي الزوجات بملازمات البيت، ويصنفن في خانة غير النشيطين إلى جانب الطلبة والشيوخ والعجزة والمتقاعدين باعتبارهن جنس يعيش على الاستهلاك، وبالتالي تبقى مساهمتها في خير الأسرة غير معترف بها .

وهذا ما شكل في نظري سببا حاسما في تشريد عدد من المطلقات والأرامل اللائي أصبحن في وضع أصعب مما كن عليه قبل الزواج.

لهذا يكون من العدل القول بأن تكليف المرأة بالأعمال المنزلية ينبغي أن يتم في إطار مبدأ توزيع المسؤوليات والاستفادة المشتركة من الحقوق لا الاكتفاء بالقول أن العرف يقضي بذلك، فهو ليس عملا بائنا لا يستحق أكثر مما تقتاته المرأة دون أن تنال شيئا مما يتوفر من العمل للمشترك، حتى إن طلقت أو توفي زوجها أصبحت عاجزة عن إعانة نفسها وأطفالها.

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0