أصل السعاية وسندها الشرعي

أصل السعاية وسندها الشرعي
لقد انتشرت عادة في بعض المناطق المغربية، ومفادها أن الزوجة تأخذ نصيبا من مال الزوج إن طلقها أو توفي عنها، وهذا النصيب يسمونه سعاية المرأة أو "تمازالت" باللغة الأمازيغية، وقد قضى به العديد من الفقهاء المسلمون في إطار النوازل التي عرضت عليهم، كما أنهم لم يقصروه فقط على الزوجة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها بل أجازوه في حق كل فرد من أفراد العائلة، إذ جعلوا ما ينتجه الزوج شياعا بين أفراد العائلة يقسم بينهم حسب كد واجتهاد كل واحد منهم ، غير أن فقهاء النوازل في قضائهم بالكد والسعاية اختلفوا حول أصل هذا الحق.

فهناك من ارجع سند العمل به إلى القرآن الكريم، حيث يقول سبحانه وتعالى: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى" .

ويقول أيضا: "وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتموا إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا، أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد أفض بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا" .

فإذا تأملنا هذه الآية الكريمة التي يعالج الله سبحانه وتعالى فيها حالة المرأة التي قطعت شوطا أو أشواطا مع زوجها في درب الحياة الزوجية، وشاركته فيها حلو الحياة ومرها، نجد فيها كثيرا من المعاني توصي بعدم حرمان الزوجة من كدها وشقاها والتي تستحق الوقوف عندها، فكلمة "استبدال" التي تعني طلاق المرأة السابقة وتزوج أخرى لا لسبب إلا إرادة استبدال زوجة بأخرى، وكلمة "قنطار" التي تعني كثرة المال المعطى للمرأة وتعني أيضا أن هذه الكثرة مباحة شرعا، لأن الله لا يمثل بما لا يرضي شرعه مثل الحرام، وأخيرا عبارة "أخذن منكم ميثاقا غليظا" التي قال المفسرون فيها إن المراد بالميثاق الغليظ قوله تعالى: "فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان".

ويفسر المحقق ابن عرفة الإحسان بقوله: "الإحسان ألا يظلمها في حقها، فيقتضي الإعطاء وبذل المال أشق على النفوس من حيث المعاشرة" .

كما أننا نجد بعض فقهاء النوازل يعطون للسعاة مقابل سعايتهم استنادا إلى العرف أو ما جرى به العمل، ومنهم داوود بن محمد بن عبد الحق التملي التازولي حيث قال: "فالذي جرى به العمل عند فقهاء المصامدة وجزولة أن الزوجة شريكة لزوجها في ما أفاداه مالا باعتنائهما مدة انضمامهما وتعاونهما، ولا يستبد الزوج بما كتبه على نفسه من الأشرية، بل هي شريكة له فيها بالاجتهاد" .

ومنهم أيضا عبد الوهاب الزرقاني الذي سئل عن نساء البوادي اللائي يخدمن في بيوتهن، ذلك أن المرأة منهن تخدم في بيتها مع زوجها الخدمة الظاهرة والباطنة، فهل هي شريكة لزوجها بخدمتها على الوجه المذكور، وتأخذ حصتها منه أم لا؟ فأجاب: العادة هي المحكمة في أفعال الزوجة المذكورة، فما دلت العادة على أن الزوجة إنما تفعله على وجه طيب العشرة والمعاونة لزوجها في المعيشة لا شركة لها في ذلك ولا أجر، وإن كان العكس فحكمه على ذلك .

كما أن فقه النوازل في المذهب المالكي اهتم بسعاية الزوجة في الأعمال الباطنة، كالغزل، والنسج، والطرز، واعتبرها من خلال ما جرى به العمل أعمالا منتجة تستحق الزوجة مقابلا عنها، فجاء في كتاب النوازل "بأن لا شيء على الزوجة من غزل ونسج وغيره، فإن قامت بذلك متطوعة به كان للزوج حق الانتفاع بذلك وبثمنه، وإن صرحت بالامتناع عن الخدمة إلا على وجه الشركة في الغزل والنسج أو فيهما معا وأباح لها زوجها ذلك فلا إشكال في اشتراكهما في ذلك المعمول، أما إذا سكتت وقامت بالعمل دون أن تصرح بأي وجه من الوجهين قامت به، هل على وجه التطوع أم على وجه الشركة، ثم طالبت بعد ذلك بنصيبها في ما أنجزته على أساس أنها قامت بذلك على وجه الشركة أو الرجوع بقيمة العمل، وأنكر الزوج ذلك، حلفت أنها ما غزلت ولا نسجت إلا لتكون على حظها في المعمول، وإذا حلفت قوم عملها في الكتان والصوف فيكون الثوب بينهما مشتركا، وكذلك الغزل، هكذا روي عن مالك وابن القاسم وغيرهما" .

إضافة إلى هذا، ففكرة الكد والسعاية تجد أساسها في المبادئ العامة للشريعة الإسلامية القائمة على المودة والرحمة، والتي تمت ترجمتها في واقعه قضى بها سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه حينما قضى في واقعة عمر ابن الحارث وحبيبة بنت زريق، حيث كان زوجها قصارا يتجر في الأثواب، وكانت تساعده في ترقيمها حتى اكتسبا مالا كثيرا، فمات عمر وجاء ورثته واستحوذوا على مفاتيح المخازن والأجنة واقتسموا المال بينهم، فأقامت عليهم الزوجة حبيبة بنت زريق دعوى وطالبت بعمل يدها وسعايتها مترافعة مع الورثة أمام أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب، الذي قضى بينها وبين الورثة بشركة المال وقسمته إلى نصفين، أخذت منه حبيبة النصف بالشركة بالإضافة إلى نصيبها من الإرث كزوجة.

وهذا هو الأساس الذي اعتمدته محكمة الاستئناف بآسفي في قضائها للمدعية بأحقيتها في السعاية التي تطلب مقابلا عنها، ففي قرار لها بتاريخ 4 نونبر 1985 جاء فيه: "أن حق السعاية أو حق الكد كما يسمى في بعض الأعراف، يعتبر من الحقوق المعترف بها في الفقه الإسلامي منذ سُنة سيدنا عمر ابن الخطاب في حكمه لحبيبة ضد أخ زوجها بنصف ما ترك الزوج لكونها كانت نساجة طرازة فساهمت بذلك في تكوين الشركة".

من خلال ما سبق نخلص إلى أن الكد والسعاية ليست بدعة محدثة ولا مجرد عرف مصطنع أو عادة جرى بها العمل، وإنما هي قاعدة تستمد سندها الشرعي من القرآن الكريم وتجد سندها الواقعي في قضاء ثاني الخلفاء الراشدين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، ذلك القضاء الذي أخذ به الإمام مالك صاحب المذهب السائد في المغرب منذ قرون طويلة ، وهذه الأسانيد التي تقول بشرعية حق الكد والسعاية بالشكل السابق بيانه، يكمل بعضها البعض ويقويه ويعضده، وأن كثرة القضايا المتعلقة بالموضوع، والتي تعرض أمام المعالم المغربية أصبح من الأمور التي تتطلب تدخلا تشريعيا عاجلا، وللأسف كان على المشرع المغربي أن يعمل في إطار مدونة الأسرة على سد الفراغ التشريعي المتعلق بهذه النقطة، طالما أن الفقه المالكي نفسه يأخذ بفكرة السعاية.

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0