الطبيعة القانونية للسعاية

الطبيعة القانونية للسعاية
لم تلق مسألة تحديد طبيعة حق الكد والسعاية اهتماما واسعا من قبل فقهاء النوازل الذين درسوا وأسسوا لهذا الحق وقضوا به في العديد من القضايا التي عرضت عليهم، بل أنهم صبوا جل أوقاتهم في تنظيم شروطه وقواعده وضمان توافقه مع الشرع والاجتهاد، وهذا ما جعلهم يختلفون حول طبيعة السعاية أو الأموال التي تأخذها الساعية، هل هي على سبيل الأجرة في مقابل جهدها المبذول في تنمية هذه الأموال؟ أم على سبيل الكراء؟ أم هي حصة من الأرباح مما يعطيها صفة الشركة؟ هذا ما يتضح من خلال مجموعة من الفتاوى التي صدرت في نوازل مختلفة.

ففي جواب لسيدي داوود ابن محمد التملي التونلي، عن سؤال من كانت عنده أخته أو غيرها تشتغل له بشغل يمكن توليته بنفسه أو.

.

.

أو زوجته ثم بعد ذلك قامت عليه تطلب الأجرة.

.

.

لها ذلك أم لا؟ فأجاب مستندا بفتوى التونسي: نعم لها الأجرة، وبه أفتى.

.

.

.

أما سيدي سعيد الهوزالي فقال: "إذا كان للزوج مال ولزوجته كذلك وسعيا فيه، فالمستفاد يقسم بينهما على قدر المالين، وإذا كان المال للزوج خاصة وكانت الزوجة تخدم فيه فلها أجرتها بلغت ما بلغت، وإن كان الزوج والزوجة لا مال في يد كل واحد منهما بل أفادا جميع ما بأيديهما بخدمتهما وسعايتهما فالمال بينهما نصفين لقصة حبيبة.

.

.

" .

فمن هذين المثالين يبدو أن ما تأخذه المرأة يكيف على أنه أجرة المثل أو مقابل الكراء في الحالة التي ينفرد فيها الزوج بملكية الدمنة (الأرض أو الحيوان.

.

.

)، بحيث لا تسهم الزوجة في تلك الدمنة إلا بما تقوم به من خدمة.

وبعيدا عن هذه الآراء التي قال بها الفقهاء، هل يمكن اعتبار حق الكد والسعاية بمثابة تعويض يمنح للزوجة بعد الطلاق أو وفاة الزوج، جبرا للضرر اللاحق بها في ما تحملته من أعباء الحياة الزوجية، على غرار المتعة التي تستحق للزوجة عند إيقاع الطلاق؟ إنه بالتأمل في خصوصية حق الكد والسعاية والأحكام التي أسس عليها، يتبين أنه يختلف عن مفهوم التعويض اختلافا جوهريا يجعله ينفرد عنه في الإطار القانوني والفقهي المنظم له، فلم يُرد له أن يكون تعويضا للمبررات التالية: 1- إن حق الكد والسعاية يثبت بغض النظر عن وجود تجاوز لاستعمال حق الطلاق من عدمه، في حين أن التعويض يلزمه توافر عنصر الخطب.

2- إن حق السعاية يثبت سواء ترتب عن الطلاق ضرر أو لم يترتب عنه شيء منه، والحال أن الضرر ركن لازم لثبوت المسؤولية.

3- إن التعويض وفقا للقواعد العامة للمسؤولية يقدر بحسب الضرر الناجم عن الخطأ، في حين أن المقابل المستحق عن السعاية يقدر بحسب عمل الزوجة، وما قدمته من مجهودات وما تحملته من أعباء لتنمية أموال الأسرة.

هذا الاختلاف في الفقه حول طبيعة حق السعاية انعكس على عمل المحاكم بمختلف درجاتها، وهذا ما يتضح من خلال الأحكام والقرارات القضائية ذات الصلة بالموضوع إلى أنها لا تسير في اتجاه واحد في ما يخص تقسيم الأموال المتحصلة خلال مرحلة الزواج، فمنها ما يقضي بمبالغ مالية كتعويض، ومنها ما يعطي للزوجة نصيبا من الأرباح مما يجعله قريبا من الشركة، فقد جاء في حكم للقاضي المقيم بمركز ماسة بتاريخ 28/7/87 "أن الأصل في ما أنشأ أثناء فترة العلاقة الزوجية هو الشركة بين الزوجين حتى يثبت الانفراد بالتملك لأحدهما بالبينة الشرعية".

إلا أنه في حكم لابتدائية أكادير بتاريخ 14/12/95 أعطى لحق الزوجة في مقابل كدها وسعيها صبغة تعويض مالي، عندما قضى بآداء المدعى عليه للمدعية مبلغ 25.

000 درهم مقابل كدها وسعيها.

وإذا كان هذا هو التوجه العام الذي سارت فيه مختلف المحاكم بإعطائها لحق السعاية مفهوم الشركة، وتارة أخرى مفهوم التعويض، فإن المحكمة الإدارية بالرباط تبنت توجها انفردت به عن باقي المحاكم الأخرى عند ما قضت في حكم لها بتاريخ 15/05/97 بأن "حق الكد والسعاية هو كغيره من الحقوق العرفية الإسلامية، شأنه في ذلك شأن حقوق الجلسة والزينة والجزاء والهواء المنصوص عليها في الفصل 8 من ظهير 2 يوليوز 1915 المحدد للتشريع المطبق على العقارات المحفظة التي وردت على سبيل المثال لا الحصر، وان الفصل 85 من ظهير 12 غشت 1913 بشأن التحفيظ العقاري قد جاء عاما في صياغته، ومنح إمكانية طلب تقييد احتياطي أمام المحافظ على الأملاك العقارية والرهون لكل من يدعي أي حق في عقار محفظ دون ما تحديد، وإلا يعتبر قرار المحافظ برفض طلب التقييد الاحتياطي والحالة هذه متسما بعيب خرق القانون الموجب لإلغائه".

يستفاد من هذا الحكم أن المحكمة الإدارية اعتبرت حق الكد والسعاية من الحقوق العينية كجميع الحقوق العرفية الإسلامية، وأن ما يسري على الأصل يمتد ليطبق على النظير فيتقمص خصوصيته وينتج نفس آثاره القانونية، وبالتالي فهو يخول إمكانية اللجوء إلى طالب تقييد احتياطي على عقار متنازع فيه بين الزوجين، وأن قرار محافظ الأملاك العقارية برفض طلب التقييد الاحتياطي بحجة أن الكد والسعاية ليس حقا عينيا طبقا لمقتضيات الفصل 85 من ظهير التحفيظ العقاري متسما بتجاوز السلطة لعيب خرق القانون، فهل فعلا يعتبر حق الكد والسعاية حقا عرفيا بمفهوم الفصل 8 من ظهير 2 يوليوز 1915.

المشار إليه أعلاه؟ لاشك أن هذا الإشكال نابع من الصياغة المستعملة في هذا الفصل، والتي توحي بأن الحقوق العرفية الإسلامية إنما وردت على سبيل المثال لا الحصر، والتي تسمح بإدراج حقوق أخرى متجذرة في الفقه الإسلامي كالكد والسعاية، وبالتالي بإمكانية طلب تقييد احتياطي بشأنه وفق الفصل 85 من ظهير التحفيظ العقاري، الذي ينص على أنه: "يمكن لكل من يدعي حقا في عقار محفظ أن يطلب تقييدا احتياطيا قصد الاحتفاظ المؤقت بهذا الحق".

إلا أنه خلافا لما ذهبت إليه المحكمة الإدارية، يمكن القول أن حق الكد والسعاية نسيج وحده لا علاقة له بالحقوق العرفية الإسلامية، لأن هذه الأخيرة المتمثلة في الجزاء، والاستئجار والزينة، والجلسة، هي حقوق عينية تتمخض عن علاقة كرائية، كما أن حق الكد والسعاية هو عمل تقوم به الزوجة لصالح زوجها وهو عمل من شأنه أن يقوي الجانب الإيجابي في ذمته المالية، فالمسألة تنطلق إذن من عقد زواج لا من علاقة كرائية، إضافة إلى هذا فإن الزوجة التي تطالب بكدها وسعيها في أموال زوجها يجب أن ترفع دعواها على الزوج باعتبارها دائنة له وباعتباره مدينا لها بذلك الحق، فالعلاقة إذن هي علاقة مديونية تجعلها أمام حق شخصي لا علاقة له بالحقوق العينية، يخرج منه حق الكد والسعاية ، وهي الحقيقة التي لم ينتبه إليها قضاة المحكمة الإدارية بالرباط.

لنخلص في الأخير إلى أن حق الكد والسعاية حق شخصي، وبذلك فهو لا يقبل التقييد الاحتياطي وفق الفصل 85 من الظهير الوارد أعلاه، وأن القول الجدير بالتأييد والترجيح والذي يتماشى والموقف الواضح في الفقه المالكي هو الذي يعطي لحق الكد والسعاية أحكام الشركة.

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0