مشروعية العقد المالي باعتباره شرطا إراديا لعقد الزواج

مشروعية العقد المالي باعتباره شرطا إراديا لعقد الزواج
نظرا لما يحظى به عقد الزواج من قدسية في الشريعة الإسلامية، فقد تولى الشارع الحكيم تنظيمه في جميع جوانبه التي تستحق الاهتمام والعناية، فبين أركانه وشروطه وحدد الحقوق والالتزامات التي تترتب عنه، فجعل عقد الزواج سببا في ترتيب الآثار التي تنشأ عنه، الشيء الذي يتبين منه أن آثار العقد تعتبر آثارا جعلية لا اتفاقية ، مما يثير التساؤل حول أحقية الزوجين في إيراد عقد مستقل عن عقد الزواج يتضمن اشتراطات متبادلة تنظم أموالهما وتؤمن مستقبلهما ومستقبل الأسرة ككل؟ فالعقد المالي، يعتبر من المستجدات التي فرضها التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي طال بنية الأسرة، لذلك فهو لم يسترعى اهتمام الفقهاء المسلمون، إلا أنهم اهتموا بالإطار العام الذي يندرج ضمنه هذا العقد الذي هو في شموليته ليس إلا شرطا من الشروط الإرادية الملحقة بعقد الزواج التي قسمها الفقهاء إلى ثلاثة أصناف: ما يقتضيه العقد ولا ينافيه، ما ينافي العقد، وما لا يقتضيه العقد ولا ينافيه، هذا الصنف الأخير كان أساس اختلاف المذاهب الفقهية.

فذهب الجمهور من المالكية والحنفية والشافعية إلى أن الأصل في الشروط هو عدم الصحة وعدم الالتزام بها حتى يقوم دليل من الشرع يثبت الالتزام، وحجتهم في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط".

فهم يقولون بجعلية آثار عقد الزواج صيانة وحفظا له من الاضطراب ومنعا للناس من أن يخضعوا الحياة الزوجية لأهوائهم فتخرج من معناها وما يحيطها به الشارع من تقديس .

فيرون في الشروط حرمانا من حقوق يقرها الشارع للزوجيـن، وتضييق في ما وسعه الله عليهما.

أما الحنابلة فيرون أن الزوجين أحرار في إبرام ما يشاءون من العقود والشروط، فالأصل هو حرية التعاقد بدلالة الكتاب والسنة ، واعتمدوا في هذا على قوله تعالى: "وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا" ، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم "إن أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج" و"المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا" .

أمام التعارض في الآراء، فإنه لا يمكن الحسم في صحتها إلا بالرجوع إلى القاعدة الأصولية التي تقول بالقضاء بالخصوص على العموم، فيكون بذلك ما استظهر به الجمهور هو نص عام يتعلق بكافة العقود الصحيحة، في حين أن الحديث الذي احتج به الحنابلة هو نص خاص بعقد الزواج فنخلص إلى أن كل شرط اتفاقي في عقد الزواج يعتبر مشروعا وملزما لمن التزم به، ما لم يكن مخالفا لشرع الله ومقصوده من الزواج، وبالتالي فإن الشرط المتعلق بتنظيم أموال الزوجين يبقى صحيحا ومنتجا لكافة آثاره القانونية.

أما إذا نظرنا إلى خصوصية الشرط المالي الاتفاقي وفق ما هو وارد في الفصل 49 من مدونة الأسرة، والذي جاء في صورة عقد مستقل عن عقد الزواج، فإنه بالجوع إلى العقود التي عرفها فقهاء الشريعة الإسلامية لا نجد من بينها العقد المالي الملحق بعقد الزواج مما يطرح التساؤل، هل العقود في الفقه الإسلامي مذكورة على سبيل الحصر؟ أي هل عرف الفقه الإسلامي مبدأ حرية التعاقد فيجوز بإيجاب وقبول التعاقد على أي أمر لا يخالف النظام العام والآداب؟ ففي كتب الفقه لا نجد نظرية عامة للعقد، بل على النقيض من ذلك نجد عقودا مسماة تأتي عقدا بعد آخر في ترتيب غير منطقي، حتى ليظن الباحث أن الفقه الإسلامي لا يعرف إلا هذه العقود المسماة وان أي اتفاق لا يدخل تحت عقد من هذه العقود لا يكون مشروعا .

غير أن هذه النظرة إلى الفقه الإسلامي هي نظرة سطحية، ولنا في القرآن الكريم ما يدل على شمول الاتفاق لكل أمور الحياة الزوجية حيث يقول تعالى "ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة" .

فالآية تشير إلى جواز الاتفاق بين الزوجين بعد فرض المهر وليس بها ما يقصر الاتفاق على حالة إسقاط المهر أو الزيادة فيه دون غيرهما من المسائل التي يريان فيها تنظيما لحياتهما المشتركة ، أما ما ذكره الفقهاء من عقود مسماة، فهي العقود التي يغلب أن يقع بها التعامل في زمنهم، فإذا استحدثت الحضارة عقودا أخرى توافرت فيها الشروط المقررة فقها كانت عقودا مشروعة ، خاصة إذا علمنا أن تنظيم الشؤون المالية للزوجين ليس أمرا تعبديا أو أصلا شرعيا –ما عدا نظام الإرث- كما سبق وأشرت.

وهذا ما سار عليه المشرع التونسي الذي كان سباقا إلى إقرار هذا الحل في الشؤون المالية للزوجين، فمنحهما الحق منذ البداية على مخالفة النظام المبدئي للتفريق في الأموال، حيث تعرض الفصل 11 من مجلة الأموال الشخصية التونسية إلى مؤسسة خيار الشرط التي تمكن الزوجين من إبرام عقد يتضمن شروطا وتكون كلها ماضية ما لم تكن منافية لجوهر عقد الزواج أو مخالفة للنظام العام .

وهذا ما عمل المشرع المغربي على مجاراته فأقر بصحة الشروط المرتبطة بعقد الزواج في الفصل 48 من مدونة للأسرة، فنص على أن: "الشروط التي تحقق فائدة مشروعة لمشترطها تكون صحيحة وملزمة لمن التزم بها من الزوجين".

كما أقر صراحة مشروعية الاتفاق حول تدبير أموال الزوجين، فأكد في الفصل 49 على ما يلي ".

.

.

غير أنه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية الاتفاق على استثمارها وتوزيعها".

فإذا كان القيد الوحيد الذي أورده المشرع على حرية الاتفاقات بين الزوجين هو تحقيقها لفائدة مشروعة للطرفين، فإن العقد المالي لا يخرج عن هذه الدائرة ، فهو يتعلق بتنظيم الأموال والحقوق ذات الطبيعة المالية التي اكتسبت مبدئيا من جانب الزوجين معا لا من أحدهما فقصا، فهو لا يتضمن إثراءا لأحدهما على حساب الآخر، كما أن أهميته تتجلى أكثر إذا علمنا أن الحقوق المالية للزوجين –خاصة الزوجة- في الأموال المكتسبة أثناء الحياة الزوجية غير مكرسة بمقتضى قاعدة قانونية ملزمة، ومن ثم فإن ضمانها يقتضي إيراد شروط اتفاقية في عقد آخر غير عقد الزواج ، مما سيجنبها أي خلاف قد يثيره أحد الطرفين مستقبلا حول الممتلكات المحصلة أثناء حياتهما الزوجية، فيكون بذلك العقد المالي أحد آليات الحفاظ على تماسك الأسرة ووحدتها.

فمن خلال ما تقدم، وكما جاء في الفصل 47 من مدونة الأسرة نخلص إلى أن الشروط والاتفاقات كلها صحيحة، إلا ما خالف منها أحكام عقد الزواج ومقاصده، وما خالف القواعد الآمرة للقانون، ويبقى الباب مفتوحا للقضاء الذي يتمتع بسلطة تقديرية في هذا المجال للتحري عن صحة بنود العقد المالي والشروط المدرجة فيه وبطلانها، أو في مدى ملاءمتها لأحكام عقد الزواج ومقاصده أو عدم ملاءمتها، أخذا بعين الاعتبار عدة عوامل أهمها التطور الاجتماعي والاقتصادي الذي طرأ على الأسرة المغربية فأحدث عادات وتقاليد لم تكن مقبولة من قبل، لكنها لا تتنافى مع أحكام عقد الزواج .

لكن الإشكال الذي يطرح في هذا الصدد، هو حكم العقد المالي الذي يتضمن بندا مخالفا لأحكام عقد الزواج ومقاصده، أو اختلت أحد شروطه الشكلية أو الموضوعية.

فهل يشمل البطلان البند المخالف ويبقى العقد صحيحا أم يمتد البطلان إلى العقد بأكمله؟

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0