تعديل العقد المالي بين الزوجين

تعديل العقد المالي بين الزوجين
إن العقد المالي إذا نشأ صحيحا بين الزوجين أصبح ملزما لهما لا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق جديد يبرم بينهما لهذا السبب، فهو يصبح بمثابة قانونهما الخاص وشريعتهما الذاتية في تنظيم العلاقات المالية، يتعين تنفيذه كما هو دون أي تغير أو تبديل فيه، والقول بخلاف ذلك فيه إهدار لمبدأ سلطان الإرادة وتكبيل لحرية التعاقد بأخطر قيد.

إلا أن الالتزام بهذا المبدأ وبشكل جامد قد لا يكون محققا للعدالة والإنصاف في حالات معينة، فتصبح مسألة إعادة تطويع بنود العقد المالي ضرورة ملحة لضمان استمراريته، وإلا ضاع الهدف المنشود من إبرامه، هذه الضرورة تقتضيها طبيعة عقد الزواج الذي يتميز بالصفة الأبدية إذ يلعب فيه عنصر الزمن دورا مهما، وبقدر ما يمتد يكون تغير الظروف والأوضاع محتملا ، وهذا التغير يمكن أن يؤدي إلى إرهاق أحد الزوجين عند تنفيذ إلتزامه.

فضرورة تعديل العقد المالي تكمن أساسا في وقت وضعه من طرف الزوجين، فمهما بلغت الدقة والضبط في مراعاة كل الظروف الممكنة التي تحيط بالحياة الزوجية في الحال والمآل، يظل عنصر الزمن بكل مستجداته غير خاضع لمثل هذا التحكم لأن الزوجين لا يستطيعان قراءة المستقبل بكل خلفياته، إذ أن مضمون العقد مهما تضمن من تفاصيل فإنها توضع بقلب وعين من لا يرى ولا يفكر إلا من خلال وقائع الحاضر .

لهذا فالعقد المالي قد يكون متضمنا إلتزاما فوريا، وقد يحدد تنفيذه بفترة زمنية قصيرة كأن يلتزم الزوج بتأثيث منزل الزوجية، أو أن تلتزم الزوجة بدفع تسبيق مالي لشراء سيارة، فهنا لا تثور أية صعوبة في التنفيذ لكن إذا كان تنفيذه يمتد لسنوات أو لفترة الزواج كلها فمن الضروري الاحتياط لما يمكن أن يحدث من تغير في ظروف ووضع الزوجين ، فقد يحدث مثلا أن تشترط الزوجة على زوجها عند إبرام العقد بأن ينفق على أولادها من زوج آخر فيقبل الزوج الشرط في ظل ظروف مادية مريحة، ثم تتغير الظروف مع مرور الوقت فتصبح أحواله المالية مرهقة وصعبة ، كما أن الزوجة قد تلتزم من جانبها بمشاركة زوجها في الإنفاق على البيت والأولاد، بأن تتكلف بأعباء معينة لكن مع تغير الأوضاع والظروف تصبح عاجزة عن الوفاء بالتزامها.

ففي هذه الحالات ينبغي أن يقرر المشرع إمكانية مراجعة القضاء لإعادة النظر في مضمون العقد المالي لتكييفه مع ما استجد من أوضاع لم تكن متوقعة من قبل، وقد أتاح الفصل 48 من مدونة الأسرة هذه الإمكانية بنصه على انه: "إذا طرأت ظروف أو وقائع أصبح معها التنفيذ العيني للشرط مرهقا، أمكن للملتزم به أن يطلب من المحكمة إعفاءه منه أو تعديله ما دامت تلك الظروف أو الوقائع قائمة.

.

.

".

وتبقى للقضاء السلطة التقديرة لتقرير إمكانية تعديل العقد من عدمها، مراعيا في ذلك الظروف الاقتصادية لكلا الزوجين وجميع المعطيات التي قد تتغير من أسرة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى، فهو مدعو إلى لعب دور إيجابي في إقامة التوازن الاقتصادي بين الزوجين وإعادته إلى المستوى العادل تبعا للحاجيات الملحة والضرورات العملية الأكيدة حتى تصفى على العقد المالي وظيفته الاجتماعية التي تتماشى مع روح العدل ومنطق الإنصاف ومسايرة روح الواقع المتطور وفقا لمبدأ القدرة والاستطاعة والتمكين ، حسب ما تقره الآية الكريمة:"ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف" .

ولبلوغ هذه الغاية يجب إعمال جميع الوسائل التي يكون من شأنها الإبقاء على العقد المالي وتنفيذه التنفيذ الحسن، بعيدا عن أي تملص وسوء نية، وهذا لن يتأتى إلا باستلهام الآليات المساعدة على تنفيذ الإلتزام التي يأخذ بها القانون المدني، كنظرة الميسرة التي ستسمح بتمديد أجل تنفيذ الإلتزام لمصلحة الزوج حسن النية الذي يوجد في ظروف اقتصادية يستحيل أو على الأقل يصعب معها تنفيذ ما هو مكلف به وألا يتم المرور إلى الأخذ بنظرية استحالة التنفيذ ، إلا بعد استنفاذ جميع المحاولات للإبقاء على الإلتزام، وإلا فتحنا الباب على مصراعيه للتحايل على كل الواجبات المالية الملقاة على كل طرف.

وقد كان المشرع الفرنسي أكثر حكمة من نظيره المغربي عندما أحاط إمكانية تعديل العقد المالي بضوابط صارمة ومقتضيات خاصة، قطعا لدابر التحايل والتلاعـب، فبعدما منح للزوجين الحق في تغير النظام المالي الذي وقع عليه الاختيار خلال الزواج اقر بأن هذا التغيير لا يمكن أن يحصل في أي وقت، لأن إبرام عقد الزواج أمام ضابط الحالة المدنية يضفي على النظام المالي المختار طابع الثبات والاستقرار، فيصبح غير قابل للتغيير حماية لحقوق الأسرة، كما انه لا يمكن أن يتم إلا بعد أن يتفق الزوجان على مضمون النظام المالي الجديد الذي يبرم إلزاما في صورة عقد موثق، كما أن التغيير لا يكون حكما بل يخضع للسلطة التقديرية للقاضي الذي يمكنه ألا يوافق عليه ، إذا ثبت أن التغيير المطلوب لا يخدم مصالح الأسرة.

أما بشأن الواقع المغربي، فأمام العمومية التي جاء بها الفصل 49 من مدونة الأسرة يمكن أن نقول أنه ليكون العقد المالي محققا للأهداف التي أسست عليها هذه المدونة على القضاء أن يفسح المجال أمام الزوجين، -كلما أمكن ذلك- لتقرير الحل التوافقي الذي يراعي مصالحهما سواء بالإعفاء نهائيا من الالتزام موضوع المراجعة، أو بتعديله أو أي حل آخر يحقق احسن ما يمكن الوصول إليه، مع الحرص دائما على الحل الرضائي، وأخذا بعين الاعتبار المصلحة الفضلى للأسرة.

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0