كتاب المعين في المادة الجنائية لولوج المهن القضائية والأمنية
قد يعتقد البعض أنه من اليسر تحديد طبيعة مادة المسطرة الجنائية، انطلاقا أولا من الجانب الشكلي الذي يهيمن عليها، والذي يجعل من أولى اهتماماته تجسيد قواعد القانون الجنائي الموضوعي، أي ما يمكن أن نعبر عنه إجمالا بالطريقة القانونية المعتمدة لمكافحة الإجرام ضبطا وتحقيقا ومحاكمة واعتبارا كذلك لاحتكار القواعد الموضوعية المذكورة التقنيات التجريم والعقاب أي التحكم بها ومن خلالها في تحديد مجال المحظور جنائيا، الشيء الذي يفرز القواعد المسطرة الجنائية هامشا محدودا من التصرف غالبا ما يميل بالمشرع إلى الاهتمام أكثر بالضمانات التي تهذب من ردود الفعل الزجرية التي تطغى على منطق التجريم والعقاب. إلا أنه وبالرغم من اعترافنا بهذه الحقيقة التي تظل على أية حال محكومة بالنسبية كما سيتضح فيما بعد، لا بد وأن توضح بداية بأن مفهوم العدالة الجنائية لا ينبني فقط على منطق زجري صرف يتوخى من خلاله المشرع حماية المجتمع من
رابط التحميل أسفل التقديم:
مقدمة عامة
قد يعتقد البعض أنه من اليسر تحديد طبيعة مادة المسطرة الجنائية، انطلاقا أولا من الجانب الشكلي الذي يهيمن عليها، والذي يجعل من أولى اهتماماته تجسيد قواعد القانون الجنائي الموضوعي، أي ما يمكن أن نعبر عنه إجمالا بالطريقة القانونية المعتمدة لمكافحة الإجرام ضبطا وتحقيقا ومحاكمة واعتبارا كذلك لاحتكار القواعد الموضوعية المذكورة التقنيات التجريم والعقاب أي التحكم بها ومن خلالها في تحديد مجال المحظور جنائيا، الشيء الذي يفرز القواعد المسطرة الجنائية هامشا محدودا من التصرف غالبا ما يميل بالمشرع إلى الاهتمام أكثر بالضمانات التي تهذب من ردود الفعل الزجرية التي تطغى على منطق التجريم والعقاب. إلا أنه وبالرغم من اعترافنا بهذه الحقيقة التي تظل على أية حال محكومة بالنسبية كما سيتضح فيما بعد، لا بد وأن توضح بداية بأن مفهوم العدالة الجنائية لا ينبني فقط على منطق
زجري صرف يتوخى من خلاله المشرع حماية المجتمع من كل ما يهدد أمنه واستقراره بما في ذلك مختلف المصالح المجتمعية التي استقر الوعي الجمعي على ضرورة اعتبارها وحمايتها جنائيا، بل يعتبر أيضا ومن بين مقوماته الأساسية مراعاة التصور الذي بمقتضاه يتبلور الخطاب الزجري وينفلت من عزلة التجرد ليصبح واقعا ملموسا تحكمه فلسفة إنسانية واعية بما تفرزه الحياة المجتمعية من تناقضات، لا يمكن التخفيف من حدتها سوى بإدخال جملة اعتبارات تخلق فرصا قانونية لتقنيات التجريم والعقاب حتى يصبح واجب كشف الحقيقة هدفها وليس مجرد الرغبة في التطبيق.
مع استحضار هذه المعطيات الأولية يمكن القول أن المسطرة الجنائية تحتوي على مجموعة القواعد المحددة والمنظمة لكل ماله علاقة بمؤسسات العدل الجنائي وكذا نشاطه بداية من ظهور الشكوك الأولى لاقتراف الجريمة إلى حين التحقق من مرتكبها وإدانته بالتمكن من تنفيذ العقوبة ضده ما لم تكن هذه العقوبة ذات طبيعة مالية.
ولعل عبارة مسطرة جنائية وكما يذهب إلى ذلك الفقيه PRADEL لا تناسب تماما لاحتواء كل ما ذكر فمصطلح مسطرة Procedure يرتبط بمعنى سباق "Processus" مسير "une marche"؛ لذلك فعبارة مسطرة جنائية Procedure penale" لا يمكن أن تحمل سوى معنى علم سير الدعوى، حيث يمكن الاصطلاح على تسميتها بالقانون القضائي الزجري أو الجنائي مع ذلك يقول نفسه الفقيه، وهو ما نعتزم السير وفقه، لا نجد بدا من التقيد بما جرت عليه العادة من الاحتفاظ بعبارة "مسطرة جنائية" للإشارة بها إلى مجموع المؤسسات المتعلقة بالدعوى.
وبصفة عامة يمكن تعريف المسطرة الجنائية حسب الأستاذ عياط بأنها: "مجموعة من القواعد الحقوقية الشكلية التي تهتم بتحديد وتنظيم مختلف السلطات الجنائية، وتبين السبل التي يتحتم اتباعها أمامها بهدف الوصول إلى تطبيق سليم وشرعي القواعد القانون الجنائي ".
وتسمى المسطرة الجنائية بالقانون الشكلي لأن قواعدها تقتصر على تنظيم كيفية التطبيق النصوص القانون الجنائي الذي يطلق عليه اسم قانون الموضوع". وتبعا لذلك فإذا كان القانون الجنائي العام يهتم بالمبادئ الكبرى التي تحكم الظاهرة الإجرامية على مستويات القواعد الأولية والنظريات الإجمالية المتعلقة بالتجريم والعقاب، وتقتصر اهتمامات القانون الجنائي الخاص على تحديد التشخيصات العملية الدقيقة بصدد كل تصرف إجرامي على حدة، وما يلحقه من متابعة ومساءلة ومعاقبة، وفقا لمنهجية تحليلية تأخذ بالاعتبار ما تتميز به كل جريمة وكل نازلة؛ فإن المسطرة الجنائية تعرض للقواعد التي يجب على السلطات الممثلة للمجتمع أن تحترمها عند معاينة وإثبات الإجرام من
جهة والقيام بالإجراءات التي يلزم تطبيقها من أجل رد الفعل المجتمعي من جهة أخرى. ومن ثم كان دائما لزاما على مشرع المسطرة الجنائية أن يستحضر في صياغة هذا النوع من القواعد دعامتين أساسيتين يصعب التوفيق بينهما حماية المجتمع من خطر الجريمة الذي يهدده، وتقديم الضمانات الأساسية للمتهم من أجل محاكمته محاكمة عادلة، ولعل هذا المازق ان صحت هذه العبارة الذي توجد فيه المادة التي نحن بصدد دراستها، إن كان يدعو دائما إلى ضرورة استحضاره من أجل معالجة الإشكاليات التي تطرحها المادة، فهو كذلك يؤكد بأن لها أهمية حيوية تتجاوز بنظرنا الأهمية التي تحظى بها قواعد الموضوع.
للإطلاع والتحميل
What's Your Reaction?