أطروحى لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام حول موضوع إدارة الملك الوقفي العام العقاري في دول المغرب العربي بين الحماية الدستورية والإصلاح القانوني - الجزائر والمغرب أنموذجين
بسطت الدولتان الجزائرية والمغربية ولايتهما على الأملاك الوقفية بصفة عامة، والعقارية منها على وجه التحديد، وأحكمتا الرقابة عليها و على من يتولى التسيير المباشر لها، نتيجة جملة من المؤاخذات التي لا تتناسب مع حسن إدارتها وتثميرها والمحافظة عليها، ومن أهمها عجز النظار عن حمايتها في إطار الإدارة التقليدية الفردية. كما أن تطور أساليب الإدارة العامة أثر على تسيير هذه الأملاك، وهو ما جعل أمر تطوير مكانتها ضمن النظام القانوني للدولة الوطنية ضرورة حتمية. هذا التطور لن يتحقق إلا ضمن إصلاحات قانونية شاملة تمس أسس حماية الموجود منها وتأطير ما سيوجد منها مستقبلا، وهو ما حصل فعلا وبصورة واضحة وأكثر فعالية بصدور أهم نصين قانونيين في الدولتين و هما: قانون الأوقاف الجزائري رقم 91/10، والظهير الشريف رقم 1.09.236 لسنة 2010 المتضمن المدونة المغربية للأوقاف، وما تلاهما من نصوص تنظيمية متصلة بإدارة هذه الأملاك.
رابط التحميل أسفل التقديم:
مقدمة
يشكل النظام الوقفي أحد أهم مظاهر التكافل في الإسلام وأبرز قوانينه الاجتماعية التضامنية. وقد تجلت ثوابت مشروعية الوقف في بداية الدولة الإسلامية (1)، فالمتتبع المقاصده الكبرى يقف على حقيقة اتصاله بحفظ مصالح الناس سواء ما يمس الدين أو النفس أو العقل أو النسل أو المال، وبذلك يعتبر أحد الأسس التاريخية التي تعتز بها الأمة الإسلامية، ومن بينها الجزائر والمغرب اللتان شهدتا تفاعلا كبيرا معه مقارنة بدول المغرب العربي الأخرى التي كانت أن تندثر معالمه فيها بفعل السياسات التشريعية الموجهة ضده . فعرفت الجزائر في الفترة التي سبقت دخول الأتراك تناول الفقهاء للجوانب المتعلقة بإدارة الملك الوقفي من خلال شروحاتهم الأحكام نظارة الوقف، فوجدت في هذه الفترة الأسس الفقهية لهذه الإدارة، ومن بينها ضرورة وجود
ناظر يسهر على إدارته تنفيذا لشروط الواقف، لكن لا يوجد إلا القليل من الوثائق التي تعود إلى تلك المرحلة (1). وفي فترة حكم الأتراك، خاصة في أواخرها، اتسم نظام الوقف بالتنظيم الدقيق لهيكله الإداري خاصة بعد صدور القانون المؤرخ في 19 جمادي الثانية سنة 1280هـ المعنون بالنظام إدارة الأوقاف، والذي يعتبر نقطة بداية لبسط الدولة العثمانية سلطتها على جميع الأنشطة المتصلة بالوقف، وتضمن هذا القانون سنة (06) أحكام تتعلق بتنظيم الأملاك الوقفية وعملية تحصيل إيراداتها وإنمائها ) وتميزت هذه الفترة بانتشار الأملاك الوقفية في مختلف أنحاء البلاد واكتساب الطرق والزوايا مكانة معتبرة، وذلك بفعل الروح الدينية التي ترسخت لدى الفرد الجزائري منذ أواخر القرن الخامس عشر ميلادي وبداية القرن التاسع عشر ).
وفي المغرب ظهر الاهتمام الكبير بالأملاك الوقفية مباشرة بعد الفتوحات الإسلامية، فأنشأ الإدريسيون في مدينة فاس مسجد القرويين الذي ذاع صيته، ومسجد الأندلسيين، وعرف عهد المرابطين نفس الاهتمام بالوقف، فنجد يوسف بن تاشفين قد رسم أسوار المساجد وبني السقايات والحمامات في مدينة فاس، وأما في العهد الموحدي العمل المهدي بن تومرت على بناء المساجد والمصليات في الأماكن الخالية وترميم ما تهدم منها، وساهم أيضا يعقوب المنصور" في ميدان الوقف إذ وجد في مدينة فاس في عهده وعهد ابنه الناصر (782) مسجدا،
والحمامات والفنادق والحوانيت وغيرها من الأملاك الوقفية العامة العقارية، ومعظمها حيست على مساجد فاس وعلى رأسها مسجد القرويين (1). كما عرفت الدولة المرينية تطورا مهما للوقف، إذ كثر الوقف العام (الخيري) وقل الوقف المعقب (الخاص)، وبرز اهتمام المرينيين من خلال بناء المؤسسات الوقفية الاجتماعية إلى جانب المؤسسات الدينية والثقافية، وضمت على وجه التحديد المساجد والكتاتيب والكتب والكراسي العلمية والمدارس والمكتبات وأوقاف مكة المكرمة والمارستانات المستشفيات الخاصة بالأمراض العقلية والزوايا ودور
المسنين والعجزة ودور الفئات الفقيرة والمرضى المعاقين والمنشآت الخاصة بالخدمات العمومية مثل إنشاء السقايات وإدارة الأزقة وأوقاف المجاهدين وافتكاك أسرى المسلمين ). وأعاد السعديون تنظيم الأملاك الوقفية، فتكونت المؤسسة الوقفية من قضاة ونظار ومساعدين، كما ساهموا في تشييد المساجد أو ترميمها، وإحياء بعض المدارس وتأسيس المكتبات ويظهر اهتمام الملوك السعديين بالحياة الثقافية من خلال جمعهم الكتب ووقفها وإنشاء أوقاف المكتبات الدينية، ومن أهم آثار الوقف العلمي في عصر السعديين نجد الخزانة العليا التي حوت خصوصيات الكتب الموقوفة ومواضيعها، وأسسوا الكراسي العلمية لتثقيف وتوعية المسلمين بأمور دينهم ودنياهم (1). وازداد الاهتمام بالأملاك الوقفية في عهد الملوك
للإطلاع والتحميل
What's Your Reaction?