كتاب التدبير العمومي الجديد شركات الدولة بين قيم الخدمة العمومية وقيم المقاولة الطبعة الاولى 2017

أصبح اليوم للبيروقراطية من الأعداء أكثر مما لها من الأصدقاء. ونقد البيروقراطية ليس ظاهرة حديثة العهد كما يمكن أن يوحي لنا انتشارها الواسع في القرن العشرين كنموذج مثالي لأي تنظيم فعال. إذ يمكن العودة إلى العقود الأولى من القرن التاسع عشر التي بدأت تتعرض فيها البيروقراطية لأحكام نقدية قاسية. في هذه الفترة قدم الروائيون مقاربة فينومينولوجية حقيقية للشرط البيروقراطي، مثلاء تجد تحليلا حقيقيا للسلوكات البيروقراطية الإدارية في رواية المستخدمون التي نشرها بالزاك سنة 1838 والتي تضمنت أول تحليل سيكولوجي للسلوكات البيروقراطية. في هذه الرواية، يتحدث بالزاك على الدسائس والألاعيب السياسية التي تجري في أي مكتب فرنسي عندما تقبل الدولة على تعيين مدير جديد له. يرسم بالزاك صورة الإدارة الفرنسية في عهد عودة الملكية على النحو التالي: لا يبقى في الإدارة الفرنسية ولا يأتي إليها سوى الكسالى والعاجزين والبله

كتاب التدبير العمومي الجديد شركات الدولة بين قيم الخدمة العمومية وقيم المقاولة الطبعة الاولى 2017

رابط التحميل أسفل التقديم:

تقديم

أصبح اليوم للبيروقراطية من الأعداء أكثر مما لها من الأصدقاء. ونقد البيروقراطية ليس ظاهرة حديثة العهد كما يمكن أن يوحي لنا انتشارها الواسع في القرن العشرين كنموذج مثالي لأي تنظيم فعال. إذ يمكن العودة إلى العقود الأولى من القرن التاسع عشر التي بدأت تتعرض فيها البيروقراطية لأحكام نقدية قاسية.

في هذه الفترة قدم الروائيون مقاربة فينومينولوجية حقيقية للشرط البيروقراطي، مثلاء تجد تحليلا حقيقيا للسلوكات البيروقراطية الإدارية في رواية المستخدمون التي نشرها بالزاك سنة 1838 والتي تضمنت أول تحليل سيكولوجي للسلوكات البيروقراطية. في هذه الرواية، يتحدث بالزاك على الدسائس والألاعيب السياسية التي تجري في أي مكتب فرنسي عندما تقبل الدولة على تعيين مدير جديد له. يرسم بالزاك صورة الإدارة الفرنسية في عهد عودة الملكية على النحو التالي:

لا يبقى في الإدارة الفرنسية ولا يأتي إليها سوى الكسالى والعاجزين والبلهاء. هذا هو مصدر رداءة الإدارة الفرنسية. إن البيروقراطية المكونة من عقول صغيرة عرقلت ازدهار البلد وأخرت لمدة سبع سنين في ملفاتها مشروع قناة كان سيشجع الإنتاج في إقليم ما ولأنها تخاف من كل شيء، فإنها ترسخ البطء وتخلد التجاوزات التي تخلدها بدورها إنها تقيد كل شيء، بما في ذلك الإدارة نفسها: وأخيرا إنها تخنق الرجال الموهوبين الذين يتوفرون على جرأة الذهاب بدونها أو انتقاد حماقاتها .

كما يمكن العثور على تشخيص لبعض أمراض البيروقراطية في أعمال الأديب الروسي نيكولاس غوغول، وخصوصا في روايتيه المفتش العام والمعطف اللتين تحدثنا عن الرشوة والخوف والمرارة واللامبالاة وعدم الفعالية والروتين. وجعل فرانز كافكا من البيروقراطية رمزا للشرط الإنساني نفسه ورمزا لعبث الوجود في المجتمعات الحديثة. إن تسليط الضوء على مختلف مكونات الآلة البيروقراطية ووصف نفسية البيروقراطي البورجوازي الصغير يوضحان العزلة الرهيبة التي يعيشها الإنسان المعاصر وعجزه عن الإمساك بمعنى الحياة، إن كانت حقا ما تزال تحتفظ بمعنى ما. فلدي كافكا، تصبحالبيروقراطية رمزا لانعدام التواصل بين البشر كما يتضح ذلك في روايته المحاكمة

التي يجد فيها الموظف البنكي .Josef K ... نفسه معرضا للمحاكمة، ولا أحد يعرف لماذا وما هي تهمته، فوجوده نفسه غير مفهوم. إن عزلته مطلقة في مدينة تحولت إلى محكمة ضخمة يقوم فيها الجميع بمحاكمته والحكم عليه هنا يصف كافكا تفاهة الحياة اليومية التي تتحكم فيها أجهزة تقوم بوظيفة سحق الإنسان، لكنها تظل مجهولة وغير قابلة للإمساك. ونجد لدى الكاتب فرانز بوكا بافاروا في عمله بواسير الدولة المنشور سنة 1875، نمذجة حقيقية للبيروقراطيين المدركين كنفيض مطلق للإنسان الرومانسي يبحساسيته وتعبيره الفرداني المتميز بنزوعه العاطفي وميله إلى الغرائبية.

في مقدمة كتابه المنشور سنة 1944، يشير لودفيغ فون ما يلز إلى أن كلمات بيروقراط» و «بيروقراطي» و «بيروقراطية» أصبحت تعتبر إهانات. فلا أحد ينعت نفسه بالبيروقراط أو يصف طريقة تدبيره بالبيروقراطية لأن تلك الكلمات أصبحت تحمل تضمينا تحقيريا وتحمل انتقادات تحط من مكانة الأشخاص والوضعيات والإجراءات. فلا أحد يشك في أن البيروقراطية ظاهرة سيئة يجدر ألا توجد في مجتمع معاصر و شخص أندري ماتيو في دراسة نشرت سنة 1961، الحالة الباتولوجية للإدارة العمومية في أربعة أمراض: الهوس وقصر النظر والبارانويا والبرود. ويصف ماتيو قصر النظر كمحدودية حقل النظر الإداري المرفوق بقطع كل قنوات الاتصال مع الخارج والانعزال في البرج العاجي المغلق ويجسد البرود شكل اللامبالاة بمشاعر ومطالب المواطنين.

هؤلاء المواطنون أضحوا أكثر إلحاحا في معرفة ما إذا كان الموظف العمومي ما يزال في خدمتهم: أما يزال قادرا على الاستجابة لانتظارات المرتفقين الذين أنشئت الإدارة العمومية لخدمتهم؟ هل قام بالدور الذي أستده إليه الدستور والقوانين التنظيمية. أم أنه اغتصب الدور لنفسه ليتمتع بسلطات وامتيازات أكبر؟ إن الإجابات على تلك الأسئلة مثيرة للقلق. فالبيروقراطيون فشلوا أيضا في القيام بمهمتهم كمستشارين الرجال السياسة في صياغة السياسات العمومية.


للإطلاع والتحميل

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0