مقال حول الطعن في محاضر الضابطة القضائية
العدالة الجنائية هي الركيزة الأساسية لدولة الحق والقانون، حيث تحظى بمكانة خاصة في حماية حقوق الإنسان وضمان محاكمات عادلة ومنصفة، حيث إن ترسيخ مقومات العدالة الجنائية يتطلب جهودًا كبيرة، وقد سعت السياسة الجنائية إلى تأكيد أهميتها من خلال تشريعات وممارسات متعددة.
رابط تحميل الملف أسفل التقديم
مقال حول الطعن في محاضر الضابطة القضائية
بقلم ذ/ الكرطي مراد
- محامي متمرن بهيئة الدار البيضاء
-عضو مؤسس للجمعية المغربية لحقوق الإنسان والبيئة
مقدمة
العدالة الجنائية هي الركيزة الأساسية لدولة الحق والقانون، حيث تحظى بمكانة خاصة في حماية حقوق الإنسان وضمان محاكمات عادلة ومنصفة، حيث إن ترسيخ مقومات العدالة الجنائية يتطلب جهودًا كبيرة، وقد سعت السياسة الجنائية إلى تأكيد أهميتها من خلال تشريعات وممارسات متعددة.
وفي هذا السياق، نجد محاضر الضابطة القضائية كلبنة أساس ومنطلق لضمان محاكمة عادلة، لأجل ذلك جعل المشرع المغربي على عاتق هذا الجهاز مهمة إعداد المحاضر بمناسبة العمليات والأبحاث التي ينجزونها بمقتضى المادة 23 من قانون المسطرة الجنائية الذي حدد بنيانها والمهام المنوطة بها كالتثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث مرتكبيها وهي جهاز مستقل نسبيا عن القضاء.
مما لا شك فيه أن كل ذي صلة بالقضاء والقانون يتساءل عن وثيقة أنجبتها مرحلة البحث التمهيدي المنجز من قبل الشرطة القضائية بمناسبة قيامهم بعملهم، و التي يتأتى من خلالها التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها، ولأجل ذلك سخر لهذا الجهاز سلطات واسعة يتمتع بها كإلقاء القبض والاستماع إلى كل من يرى في ذلك ضرورة أو صلة بالفعل الجرمي.
وأمام هاته الصلاحيات الواسعة يطرح التساؤل حول القيمة القانونية لهاته المحاضر؟ وكذلك حجيتها أمام القضاء سواء الواقف أو الجالس؟ وهل ترقى إلى درجة القدسية أم أن هناك دفوع يمكن إثارتها تصديا لها؟
من بين أدلة الإثبات الرئيسية في القضايا الجنائية أو المدنية أو التجارية، نجد في المقام الأول، خاصة من الناحية العملية، محاضر الشرطة القضائية التي يبدو أن المشرع قد أتاح في البداية حرية واسعة في قبول من مختلف وسائل الإثبات في المادة الجنائية بالخصوص من خلال المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية، غير أنه أغلق هذا الباب بمقتضى المادة 290 من ذات المسطرة التي تنص على أن: " المحاضر والتقارير التي يحررها ضباط الشرطة القضائية في شأن التثبت من الجنح والمخالفات، يوثق بمضمنها إلى أن يثبت العكس بأي وسيلة من وسائل الإثبات."
وفي هذا التحديد اللاحق لوسائل الإثبات نوع من أنواع القدسية للمحاضر المنجزة من قبل ضباط الشرطة القضائية التي تتمتع بالحجية المطلقة خصوصا وأنه ورد نص بنفس القانون يمتعها بهاتة الحجية، ويتعلق الأمر بالمادة 292 من قانون المسطرة الجنائية الذي نص على ما يلي: "إذا نص قانون خاص على أنه لا يمكن الطعن في مضمون بعض المحاضر إلا بالزور، فلا يمكن، تحت طائلة البطلان، إثبات عكسها بغير هذه الوسيلة."
ومن هنا تكمن صعوبة الطعن في محاضر الشرطة القضائية من خلال الظروف الخاصة التي تُحَرَّر فيها، حيث يتم ذلك داخل مخافر الشرطة والدرك، ويكون الشخص المعني بمعزل عن العالم الخارجي. هذه العزلة، التي تنظمها قوانين تقيّد بشكل كبير فرص الدفاع عن النفس، خاصة مع محدودية التواصل بين المحامي والمتهم أثناء فترة الحراسة النظرية.
فمهما تكن الادعاءات بتزوير محاضر الضابطة القضائية، فإن هذه المحاضر تضل ذات حجية قوية أمام القضاء بسبب توقيع المتهم عليها. هذا التوقيع يعتبر دليلاً قاطعًا على صحة المحاضر، ويصعب إثبات عكسه.
وفي مقابل ذلك نجد أن المقتضيات القانونية تسعف من يدعي أخد أقواله تحث ظرف من ظروف الإكراه أو الابتزاز أو العنف بأن يتقدم بطلب إجراء خبرة طبية عليه أمام النيابة العامة أو خلال فثرة التحقيق إلا أنه في الواقع العملي قليل التطبيق ولا دور له في الحسم.
ففي بعض الأحيان نجد أن المتهم ينكر المنسوب إليه جملة وتفصيلا سواء أمام النيابة العامة أو قاضي التحقيق وبدقة أعم خلال جميع أطوار المحاكمة إلا أنه مع ذلك تصدر بحقه الإدانة، ودليل إدانته إقراره أمام الضابطة القضائية.
الأمر الذي يطرح تساؤلات عديدة بهذا الخصوص أهمها أن المتهم لم يتمتع ولو بظرف واحد من الظروف التي ضمن له محاكمة عادلة ألا وهي أن يكون له دفاع أثناء فثرة الحراسة النظرية، فماهي إذن الآليات القانونية التي جعلها المشرع في صالح المتهم من أجل الطعن في محاضر الشرطة القضائية؟ وماهي الجزاءات المترتبة حول هذا البطلان؟
في مقابل تمتع ضباط الشرطة القضائية بصلاحيات واسعة تحت إشراف النيابة العامة قيدها المشرع بضوابط شكلية وموضوعية منصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية إذا تخلفت إحداها ترتب عنها عدة صور نذكر منها عدم القبول والسقوط وعدم الاختصاص والبطلان، ويعتبر هذا الأخير أهمها خصوصا وأنه يهم المجال المسطري بصفة عامة، وهو وسيلة الرقابة القضائية على شرعية العمل الإجرائي.
ومن هنا كانت الفكرة العامة للبطلان الذي ينشأ في حالة مخالفة المقتضيات الشكلية والموضوعية للقاعدة الإجرائية ويرتبط بهدف هذه الأخيرة من حيث تحقيق الفاعلية للعدالة الجنائية أو من حيث ضمان حقوق وحريات الفرد.
ولتطبيق هذا الجزاء الإجرائي لابد من إتباع حق من الحقوق المخولة لأطراف الدعوى العمومية والمتمثل في الدفوع الشكلية التي تعتبر ضمانة لحقوق الدفاع من جهة، وحماية لحقوق وحريات الأفراد من جهة أخرى، إذ تعتبر وسيلة احتجاج أمام القضاء على خرق الشكليات والإجراءات المسطرية، وخاصة تلك المتعلقة بعمل الضابطة القضائية، ومن أهمها الدفع بخرق شروط وشكليات إنجاز المحاضر، والدفع بعدم صحة إجراءات الوضع تحت الحراسة النظرية وتفتيش المنازل ثم الدفع بانعدام حالة التلبس.
لكن يظل السؤال الأهم والجوهري في هذا المقال هو لماذا لا يتم اعتماد هاته المكنة القانونية لفائدة المتهم خصوصا وأن المادة 751 من قانون المسطرة الجائية نصت على أنه " كل إجراء يأمر به هذا القانون ولم يثبت إنجازه على الوجه القانوني يعد كأن لم ينجز، وذلك مع مراعاة مقتضيات الفقرة الثالثة من المادة 442 المتعلقة بجلسات غرفة الجنايات.
فلماذا يتم ضم الدفع الشكلي المثار إلى الجوهر بحجة أن هذا الأخير يتفوق على الشكل خصوصا في المجال الزجري إلى درجة أن بعض الممارسين أصبحوا يشككون في فعاليتها وقيمتها، بينما يرى البعض أنها مجرد ترف مسطري يمكن الاستغناء عنه.
في رأينا الحل يكمن في الاعتراف بالخروقات القانونية الشكلية وتصحيحها بشكل صريح من خلال التصريح ببطلان الإجراءات المعيبة بدلا من محاولة تبريرها أو التستر عليها أو اعتبارها منزهة عن الخطأ والنسيان.
رابط التحميل:
https://drive.google.com/file/d/1_BSXFHxXZT3alqjP2QxfCADnTe3-j6gI/view?usp=drive_link
What's Your Reaction?