رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص تحت عنوان: عقد الشغل عن بعد في ضوء مدونة الشغل و القانون المقارن -
خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان و سخر له ما خلقه، و أناط به مهمة عمارة الأرض التي استخلفه فيها، والإنسان مطالب ببذل الجهد حتى يتمكن من العيش و كسب رزقه بكرامة، فالعمل يمكنه من استغلال ما أودعه الله في الطبيعة من موارد وخيرات فمنذ أن وجد فوق الأرض سعى جاهدا إلى تلبية حاجاته من لباس و طعام و مسكن يأوي إليه بواسطة العمل، فمكنه ذلك من التخفيف من المشاكل التي واجهها في الطبيعة، ودافع به عن نفسه من المخاطر التي تهدد وجوده و بقاءه و ساعده على الاستمرار في الحياة. و أمام تطور الحياة البشرية وانتقالها من الترحال إلى الاستقرار ومن القبلية إلى المدنية، تطور العمل وظهرت مع كل نقلة حضارية أنماط جديدة من العمل، لتواكب ما تفرضه التطورات من حاجات. جديدة لم تكن الأقوام السابقة على علم بها - أو بعبارة أدق - لم تكن بحاجة إليها لتسعى إلى إيجادها، و كلما ظهرت أشكال جديدة من العمل سعت تلك الحضارات إلى تنظيمها
رابط التحميل أسفل التقديم:
المقدمة
خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان و سخر له ما خلقه، و أناط به مهمة عمارة الأرض التي استخلفه فيها، والإنسان مطالب ببذل الجهد حتى يتمكن من العيش و كسب رزقه بكرامة، فالعمل يمكنه من استغلال ما أودعه الله في الطبيعة من موارد وخيرات فمنذ أن وجد فوق الأرض سعى جاهدا إلى تلبية حاجاته من لباس و طعام و مسكن يأوي إليه بواسطة العمل، فمكنه ذلك من التخفيف من المشاكل التي واجهها في الطبيعة، ودافع به عن نفسه من المخاطر التي تهدد وجوده و بقاءه و ساعده على الاستمرار في الحياة.
و أمام تطور الحياة البشرية وانتقالها من الترحال إلى الاستقرار ومن القبلية إلى المدنية، تطور العمل وظهرت مع كل نقلة حضارية أنماط جديدة من العمل، لتواكب ما تفرضه التطورات من حاجات. جديدة لم تكن الأقوام السابقة على علم بها - أو بعبارة أدق - لم تكن بحاجة إليها لتسعى إلى إيجادها، و كلما ظهرت أشكال جديدة من العمل سعت تلك الحضارات إلى تنظيمها وتقنينها قصد التغلب على ما قد يترتب عنها من نزاعات.
و يعرف عصرنا الحالي طفرة على مستوى التطور التكنولوجي، فتوجه العالم و بشكل مكثف إلى استعمال وسائل الاتصال والتكنولوجيا وتوظيفها في مجالات متعددة، وقد كان مجال الشغل من أهم المجالات التي شملها التطور التكنولوجي، فبعد أن كان القضاء الرقمي التقليدية و إلى غاية السبعينات، فضاء مناسبا الطبيعة العمل داخل المقاولة حيث كان الحاسوب عبارة عن جهاز ضخم يربط بين المستخدمين بواسطة محطات، وفي بعض الأحيان بواسطة شبكات ربط داخلية يشتغل فيها الأجراء وفقا للتعليمات والأوامر الصادرة عن المشغل أو المسئول عن الشبكة.
و في ظل تنامي الثورة التكنولوجية وتطور الحاسبات و انتشار استخدام شبكة المعلومات الدولية المعروفة بالانترنت الخرط العالم في استغلال ما يوفره هذا القضاء من مميزات لا يمكن غض النظر عنها، منها تقليص الجهد، توفير النفقات سرعة الاتصالات غزارة المعلومات، مرونة التواصل و الانفتاح على اقتصاديات الدول وثقافاتها ... و غير ذلك من المميزات التي لا يسع المجال لتعدادها.
ومع التطور العلمي والتكنولوجي والصناعي و ما عرفته وسائل الاتصال من تقدم متسارع العكس تك على جميع المجالات و بالأخص ميدان الشغل، فظهرت مجموعة من الأنماط الجديدة في تنفيذ الشغل، وقد شهد المغرب انتشارا واسعا لنمط الشغل المعتمد بالأساس على وسائل التكنولوجيا والاتصال و هو نمط الشغل عن بعد.
و إذا كان هذا النمط بعد ظاهرة جديدة بالنسبة للمغرب، فإنه ليس بهذه الحداثة بالنسبة لدول أخرى، فقد عرفت الولايات المتحدة الأمريكية نظام الشغل عن بعد منذ سبعينيات القرن المنصرم، وقد أسهمت أزمة الوقود التي شهدتها البلاد في تلك الفترة - بشكل كبير - في التوجه نحو نمط الشغل عن بعد. وظهرت فكرة المكتب المنزلي " Home office" الذي أتاح للعاملين من المنزل إمكانية الاتصال بالشركة من خلال الهواتف و الحواسيب.
و منذ ذلك الحين أخذ الشغل عن بعد يتطور بتطور وسائل الاتصال الحديثة وانتشارها، لتشهد الألفية الثالثة قفزة نوعية على مستوى تطور نمط الشغل عن بعد الذي يستند بدرجة أولى على البنية التكنولوجية الحديثة إلى درجة ارتباط مفهومه بها، فلا حديث عن شغل عن بعد لا يقوم أساسا على تكنولوجيا الاتصال والمعلومات.
و إذا كان البعض يصنف العمل المنزلي على أنه يدخل في دائرة الشغل عن بعد، فإن هذا الأخير لا يستقيم تعريفه حسب بعض التشريعات المقارنة إلا من خلال ضرورة قيامه على وسائل الاتصال الحديثة. ولما كان العمل المنزلي بمفهومه التقليدي لا يتوفر على الشروط المتطلبة في الشغل عن بعده فإنه لا يدخل بأي حال من الأحوال في مجال دراستنا.
و معلوم أن عقد الشغل بعد من المقومات الاقتصادية للأجراء في الوقت المعاصر ولا على لهم عنه فهو بعد من العقود الأكثر تداولا إذ به تحصل هذه الفئة - التي تشكل قطاعا عريضا من المجتمع . على أجر التي به حاجاتها الأساسية، كما يوفر عند الشغل للمشغلين أفضل السبل للاستثمار إذ يجعل تحت أيديهم عمالة قادرة على أداء ما لا يقدرون على إنجازه من شغل، إما لعدم توفر الوقت والجهد الكافيين أو لعدم معرفتهم بأصول الشغل.
ولأجل تجنب النزاعات التي قد تثور بين أرباب العمل من المشغلين والأجراء، سعت الدول إلى إيجاد أرضية قانونية تسمى بقانون الشغل، وبعد هذا الأخير الملاذ الذي يلجأ إليه المتضرر في العلاقة الشغالية الاستيفاء حقه أمام العدالة، فهو الضامن الحقوق المكتسبة لكلا الطرفين و عقد الشغل عن بعد و إن كان غير منظم في مدونة الشغل يتبين أنه يخضع لها في جوانب دون أخرى، و ذالك راجع للعديد من الخصوصيات التي ينفرد بهاء و هذا ما يستدعي تنبه المشرع الإحاطته بنظام قانوني يحكمه.
للإطلاع والتحميل
What's Your Reaction?