أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام في موضوع جمعيات المجتمع المدني ورهان الديمقراطية التشاركية الترابية بالمغرب حصيلة التنزيل وآفاق التفعيل
أخفقت جل الأنظمة السياسية مطلع القرن الماضي في تحقيق أهدافها ميدانيا، مما ولد القناعة بضرورة تفعيل دور الأفراد في مسار اعتماد السياسات والبرامج العامة بما يتوافق وتطلعاتهم الواقعية من جهة، وبما يضمن تفاعلهم الإيجابي مع تطبيقاتها من جهة أخرى، ولأجل هذا أصبحملها الإسراع نحو دمقرطة حقيقية للحياة العامة عن طريق الانتقال من مستوى المشاركة التي تجسدها النظم التمثيلية والنيابية إلى مستوى المشاركة الفعلية والميدانية، التي تضمن للأفراد تأثيرا أكبر في مسار وآليات بلورة القرارات والسياسات التي تخص شأنهم العام المشترك. وعلى هذا الأساس، فإن الإكراهات التي اعترضت النظام التمثيلي نتيجة غياب التوافق بين صناع القرار ومنفذيه، جعلت العديد من الدول تدرك أن السبيل الوحيد لحل الأزمة هو دعم الديمقراطية التمثيلية بالديمقراطية التشاركية التي تقتضي بالضرورة فتح المجال أمام الأفراد فرادي وجماعات للمساهمة في مسار
رابط التحميل أسفل التقديم:
مقدمة:
أخفقت جل الأنظمة السياسية مطلع القرن الماضي في تحقيق أهدافها ميدانيا، مما ولد القناعة بضرورة تفعيل دور الأفراد في مسار اعتماد السياسات والبرامج العامة بما يتوافق وتطلعاتهم الواقعية من جهة، وبما يضمن تفاعلهم الإيجابي مع تطبيقاتها من جهة أخرى، ولأجل هذا أصبحملها الإسراع نحو دمقرطة حقيقية للحياة العامة عن طريق الانتقال من مستوى المشاركة التي تجسدها النظم التمثيلية والنيابية إلى مستوى المشاركة الفعلية والميدانية، التي تضمن للأفراد تأثيرا أكبر في مسار وآليات بلورة القرارات والسياسات التي تخص شأنهم العام المشترك.
وعلى هذا الأساس، فإن الإكراهات التي اعترضت النظام التمثيلي نتيجة غياب التوافق بين صناع القرار ومنفذيه، جعلت العديد من الدول تدرك أن السبيل الوحيد لحل الأزمة هو دعم الديمقراطية التمثيلية بالديمقراطية التشاركية التي تقتضي بالضرورة فتح المجال أمام الأفراد فرادي وجماعات للمساهمة في مسار اعتماد السياسات والبرامج العامة.
والحقيقة أن النقاش حول الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية ليس طرحًا حديثا، بل هو نقاش فلسفي قديم حيث سبق للفيلسوف جون لوك" أن لمح إلى محدودية الديمقراطية التمثيلية، عندما اعتبر ألا أحد يمكنه أن يضفي الشرعية الديمقراطية على سلطة السياسة غير المواطنين أنفسهم، وأنه لا يكفي بالنسبة للمواطنين التعبير عن اختياراتهم عبر التصويت الفائدة. ممثلين، بل ينبغي أن تكون لديهم القدرة على مراقبة نشاط هؤلاء الممثلين.
وقد تجسدت الملامح المهيكلة لهذا التحول المعاصر في نظم المشاركة المدنية ببروز مفهوم الديمقراطية التشاركية باعتباره تعبيرا يقابل فكرة الديمقراطية التمثيلية، إذ ظهر هذا المفهوم في البداية، خلال الستينيات من القرن الماضي بهدف تدبير القطاع الاقتصادي، حيث أكد مسيرو المقاولات الصناعية في الولايات المتحدة الأمريكية، أن السبيل لتطوير أداء العاملين هو إشراكهم في تسيير شؤون المقاولة والمناقشة طوال مراحل اتخاذ القرارات، ثم المتابعة، والمراقبة والتنفيذ، مما أفضى إلى مستويات عالية من الجودة الإنتاجية، والتي بدورها ساهمت في الرفع من مبيعات هاته الشركات.
من هذا المنطلق بدأ التفكير في نقل مضامين هذه المقاربة التشاركية إلى المجال السياسي وذلك في سعى جدي إلى التأكيد على أن المواطنة تتجاوز ممارسة الحق في التصويت من فترة الأخرى، إلى تنزيل مجموعة من الإجراءات التي تمكن من إشراك المواطنات والمواطنين في حياة الجماعة، الأمر الذي يتيح لهم من جهة التمتع بحق المشاركة، ومن جهة أخرى التأثير في مسلسل اتخاذ القرارا.
ولا غرو أن ظهور مفهوم الديمقراطية التشاركية لم يكن وليد الصدقة، بل هو نتاج مسار طويل من دمقرطة الحياة السياسية. وقد عرف هذا المفهوم على مستوى التطبيق صورا شتي تنوعت بين الديمقراطية المباشرة التي يمارس من خلالها الأفراد جميع السلطات العامة في الدولة بشكل فعلي ومباشر، وبين الديمقراطية التمثيلية أو النيابية التي تقوم على اختيار الشعب الممثلين ينوبون عنه في ممارسة السلطة. هذا النموذج الأخير عرف امتدادا كبيرا مقارنة مع نموذج الديمقراطية المباشرة التي لم يعد معمولا بها في زمننا الحاضرة لاستحالة تمكين كامل الشعب من ممارسة السلطة، وهو ما يفسر تبني أغلب النظم السياسية الحديثة للنموذج النيابي كأساس الإدارة الشأن العام، مع اختلاف آليات تكريسه ومدى فعاليته من نظام الآخرة.
غير أن هذا التوجه نحو تكريس نموذج الديمقراطية التمثيلية وجهت له العديد من الانتقادات يفعل الانحرافات التي شابت تطبيقاته الميدانية، مما أدى إلى إفراغ مبدأ السيادة الشعبية من محتواه، خصوصا أمام تدني نسبة المشاركة في العملية الانتخابية والعزوف السياسي وبروز فجوة بين الممثلين والقاعدة الانتخابية. وهاته واحدة من الإشكالات التي تعترض النظم التمثيلية والنيابية في تحقيق الغاية والمضامين الأساسية للديمقراطية، وبالأخص مع الصعوبات التي
تواجهها المجتمعات الإنسانية في إدارة قضايا الشأن العام، والتي عرفت تشعبات وتحديات كبيرة كقضايا حقوق الإنسان والتنمية وحماية البيئة وغيرها من الرهانات المعاصرة، إذ إن حصر مفهوم الديمقراطية في التصويت والمفاضلة بين المرشحين قد أدى إلى إحداث فجوة كبيرة بين
للإطلاع والتحميل
What's Your Reaction?