مقال حول موضوع الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة: تحديات اللاتمركز المالي ورهانات العدالة المجالية في ضوء قانون المالية لسنة 2026

يشكل قانون المالية لسنة 2026 وثيقةً مرجعيةً في سياق وطني ودولي شديد التعقيد، يتسم بتباطؤ النمو العالمي، وتزايد حدة التوترات الجيوسياسية والتجارية، واستمرار حالة عدم اليقين[1]. ورغم هذه الظروف الصعبة، واصل الاقتصاد الوطني مساره الإصلاحي، مُظهراً قدرةً كبيرةً على الصمود، مدعوماً بدينامية متواصلة للإصلاحات الهيكلية الكبرى التي يقودها الملك محمد السادس [2].

مقال حول موضوع الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة: تحديات اللاتمركز المالي ورهانات العدالة المجالية في ضوء قانون المالية لسنة 2026

رابط التحميل أسفل التقديم:

مقدمة:

يشكل قانون المالية لسنة 2026 وثيقةً مرجعيةً في سياق وطني ودولي شديد التعقيد، يتسم بتباطؤ النمو العالمي، وتزايد حدة التوترات الجيوسياسية والتجارية، واستمرار حالة عدم اليقين[1]. ورغم هذه الظروف الصعبة، واصل الاقتصاد الوطني مساره الإصلاحي، مُظهراً قدرةً كبيرةً على الصمود، مدعوماً بدينامية متواصلة للإصلاحات الهيكلية الكبرى التي يقودها الملك محمد السادس [2].

يهدف هذا القانون إلى ضمان التوازن بين تحقيق النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والتنمية المجالية[3] في إطار مسيرة "المغرب الصاعد"[4]،. وقد نص القانون على أربع أولويات استراتيجية [5]: توطيد المكتسبات الاقتصادية، ومواصلة توطيد ركائز الدولة الاجتماعية، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية الكبرى والحفاظ على توازنات المالية العمومية، وإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.

تكتسب الأولوية المتعلقة بالتنمية الترابية أهمية قصوى في إطار المالية العمومية، كونها تستجيب للتوجيهات الملكية التي أكدت أن التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية لن تكون مُرضية إلا إذا ساهمت بشكل ملموس في تحسين ظروف عيش المواطنين، في جميع المناطق والجهات، وهذا يفرض إحداث نقلة حقيقية في التأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية[6].

يتطلب تأطير هذا الموضوع تحديد المفاهيم الرئيسية التي يرتكز عليها المتمثلة في:

1. الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة: (NGPs) يمثل هذا المفهوم تحولاً استراتيجياً من المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية إلى مقاربة للتنمية المجالية المندمجة [7]. وهو يرتكز على أربعة محاور أساسية[8]: دعم التشغيل عبر تثمين المؤهلات الاقتصادية الجهوية، وتقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية وخاصة الصحة والتعليم، واعتماد تدبير استباقي ومستدام للموارد المائية في ظل الإجهاد المائي الذي يعرفه المغرب في السنوات الأخيرة، وإطلاق مشاريع التأهيل الترابي المندمج. ويجب أن تتم هذه البرامج وفق مقاربة تصاعدية عبر الحوار والإشراك المباشر مع الساكنة والفاعلين المحليين لتحديد الأولويات والأثر الملموس.

2. العدالة المجالية: تُعد الرهان الاستراتيجي الذي يجب أن يحكم مختلف السياسات التنموية [9]. ويقصد بها ضمان استفادة جميع المغاربة، على قدم المساواة، من ثمار النمو ومن تكافؤ الفرص في مختلف الحقوق، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتجسد في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وإيلاء عناية خاصة للمناطق الأكثر هشاشة كالجبال والواحات[10].

3. اللاتمركز المالي: يُمثل اللاتمركز المالي عنصراً حاسماً في إنجاح اللاتمركز الإداري وتفعيل الجهوية المتقدمة[11]. يتمحور هذا المفهوم حول نقل الصلاحيات والمهام المالية والإدارية وخاصة تلك المرتبطة بالاستثمار إلى المصالح اللامركزية والجهات، لضمان التوطين المجالي لتدبير السياسات العمومية [12]. وتُعتبر مراجعة القانون التنظيمي لقانون المالية (القانون رقم 130.13) أبرز ورش هيكلي يدعم اللاتمركز المالي، حيث يسعى لتعزيز نجاعة الأداء ومحاسبة المؤسسات العمومية على النتائج المحققة[13]. على ضوء الأهمية الاستراتيجية التي يوليها قانون المالية لسنة 2026 لورش التنمية الترابية المندمجة كسبيل لتحقيق العدالة المجالية، تبرز الإشكالية المحورية التالية:

إلى أي مدى سيساهم تنفيذ قانون المالية لسنة 2026 في تحقيق التمويل الكافي لتأطير الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة؟ وإلى أي حد يمكن لآليات اللاتمركز المالي والإصلاحات الهيكلية، بما في ذلك إصلاح القانون التنظيمي للمالية، أن تضمن الالتقائية، والنجاعة، والاستدامة المالية لتلك البرامج، بما يحقق فعلياً رهانات العدالة المجالية؟


للإطلاع والتحميل

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
4
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0