المعين في المادة الجنائية لولوج المهن القضائية والأمنية الجزء الثاني: المسطرة الجنائية إعداد : د . فريد السموني

قد يعتقد البعض أنه من اليسر تحديد طبيعة مادة المسطرة الجنائية، انطلاقا أولا من الجانب الشكلي الذي يهيمن عليها، والذي يجعل من أولى اهتماماته تجسيد قواعد القانون الجنائي الموضوعي أي ما يمكن أن تعبر عنه إجمالا بالطريقة القانونية المعتمدة لمكافحة الإجرام ضبطا وتحقيقا ومحاكمة واعتبارا كذلك لاحتكار القواعد الموضوعية المذكورة التقنيات التجريم والعقاب أي التحكم بها ومن خلالها في تحديد مجال المحظور جنائياء الشيء الذي يفرز لقواعد المسطرة الجنائية هامشا محدودا من التصرف غالبا ما يميل بالمشرع إلى الاهتمام أكثر بالضمانات التي تهذب من ردود الفعل الزجرية التي تطغى على منطق التجريم والعقاب. إلا أنه وبالرغم من اعترافنا بهذه الحقيقة التي تظل على أية حال محكومة بالنسبية كما سيتضح فيما بعد، لا بد وأن توضح بداية بأن مفهوم العدالة الجنائية لا ينبني فقط على منطق زجري صرف يتوخى من خلاله المشرع حماية المجتمع من كل

المعين في المادة الجنائية لولوج المهن القضائية والأمنية  الجزء الثاني: المسطرة الجنائية  إعداد : د . فريد السموني

رابط تحميل الكتاب اسفل التقديم

مقدمة عامة

قد يعتقد البعض أنه من اليسر تحديد طبيعة مادة المسطرة الجنائية، انطلاقا أولا من الجانب الشكلي الذي يهيمن عليها، والذي يجعل من أولى اهتماماته تجسيد قواعد القانون الجنائي الموضوعي أي ما يمكن أن تعبر عنه إجمالا بالطريقة القانونية المعتمدة لمكافحة الإجرام ضبطا وتحقيقا ومحاكمة واعتبارا كذلك لاحتكار القواعد الموضوعية المذكورة التقنيات التجريم والعقاب أي التحكم بها ومن خلالها في تحديد مجال المحظور جنائياء الشيء الذي يفرز لقواعد المسطرة الجنائية هامشا محدودا من التصرف غالبا ما يميل بالمشرع إلى الاهتمام أكثر بالضمانات التي تهذب من ردود الفعل الزجرية التي تطغى على منطق التجريم والعقاب.

إلا أنه وبالرغم من اعترافنا بهذه الحقيقة التي تظل على أية حال محكومة بالنسبية كما سيتضح فيما بعد، لا بد وأن توضح بداية بأن مفهوم العدالة الجنائية لا ينبني فقط على منطق زجري صرف يتوخى من خلاله المشرع حماية المجتمع من كل ما يهدد أمنه واستقراره بما في ذلك مختلف المصالح المجتمعية التي استقر الوعي الجمعي على ضرورة اعتبارها وحمايتها جنائيا، بل يعتبر أيضا ومن بين مقوماته الأساسية مراعاة التصور الذي بمقتضاء يتبلور الخطاب الزجري وينفلت من عزلة التجرد ليصبح واقعا ملموسا تحكمه فلسفة إنسانية واعية بما تفرزه الحياة المجتمعية من تناقضات لا يمكن التخفيف من حدتها سوى بإدخال جملة اعتبارات تخلق فرصا قانونية لتقنيات التجريم والعقاب حتى يصبح واجب كشف الحقيقة هدفها وليس مجرد الرغبة في التطبيق.

مع استحضار هذه المعطيات الأولية يمكن القول أن المسطرة الجنائية تحتوي على مجموعة القواعد المحددة والمنظمة لكل ماله علاقة بمؤسسات العدل الجنائي وكذا نشاطه بداية من ظهور الشكوك الأولى لاقتراف الجريمة إلى حين التحقق من مرتكبها وإدانته بالتمكن من تنفيذ العقوبة ضده ما لم تكن هذه العقوبة ذات طبيعة مالية.

ولعل عبارة مسطرة جنائية وكما يذهب إلى ذلك الفقيه PRADEL لا تناسب تماما لاحتواء كل ما ذكر فمصطلح مسطرة Procedure" يرتبط بمعنى سباق "Processus" مسير une marche لذلك فعبارة مسطرة جنائية Procedure pénale لا يمكن أن تحمل سوی معنى علم سير الدعوى حيث يمكن الاصطلاح على تسميتها بالقانون القضائي الزجري أو الجنائي مع ذلك يقول نفسه الفقيه، وهو ما نعتزم السير وفقه، لا نجد بدا من التقيد بما جرت عليه العادة من الاحتفاظ بعبارة مسطرة جنائية" للإشارة بها إلى مجموع المؤسسات المتعلقة بالدعوية.

وبصفة عامة يمكن تعريف المسطرة الجنائية حسب الأستاذ عياط بأنها "مجموعة من القواعد الحقوقية الشكلية التي تهتم بتحديد وتنظيم مختلف السلطات الجنائية، وتبين

RASSAT (Michèle-Lautrs, Procédure pénale, Puf, Collection Dros fondamental, 2 d. Marv 1995:11 PRADEL (Jean), Procédure pénale, Fid. CUJAS, 944, 1990, P: 13

السبل التي يتحتم اتباعها أمامها بهدف الوصول إلى تطبيق سليم وشرعي القواعد القانون الجنائي".

وتسمى المسطرة الجنائية بالقانون الشكلي لأن قواعدها تقتصر على تنظيم كيفية التطبيق للصوص القانون الجنائي الذي يطلق عليه اسم قانون الموضوع. وتبعا لذلك فإذا كان القانون الجنائي العام يهتم بالمبادئ الكبرى التي تحكم الظاهرة الإجرامية على مستويات القواعد الأولية والنظريات الإجمالية المتعلقة بالتجريم والعقاب، وتقتصر اهتمامات القانون الجنائي الخاص على تحديد التشخيصات العملية الدقيقة بصدد كل تصرف إجرامي على حدة، وما يلحقه من متابعة ومساءلة ومعاقبة، وفقا لمنهجية تحليلية تأخذ بالاعتبار ما تتميز به كل جريمة وكل نازلة، فإن المسطرة الجنائية تعرض للقواعد التي يجب على السلطات الممثلة للمجتمع أن تحترمها عند معاينة وإثبات الإجرام من جهة والقيام بالإجراءات التي يلزم تطبيقها من أجل رد الفعل المجتمعي من جهة أخرى.

ومن ثم كان دائما لزاما على مشرع المسطرة الجنائية أن يستحضر في صياغة هذا النوع من القواعد دعامتين أساسيتين يصعب التوفيق بينهما حماية المجتمع من خطر الجريمة الذي يهدده، وتقديم الضمانات الأساسية للمتهم من أجل محاكمته محاكمة عادلة، ولعل هذا المازق ان صحت هذه العبارة الذي توجد فيه المادة التي نحن بصدد دراستها، إن كان يدعو دائما إلى ضرورة استحضاره من أجل معالجة الإشكاليات التي تطرحها المادة، فهو كذلك. يؤكد بأن لها أهمية حيوية تتجاوز بنظرنا الأهمية التي تحظى بها قواعد الموضوع.

ا محمد عيام دراسة في المسطرة الجنائية المغربية الجزء الأول أحمد الخمليشي شرح قانون المسطرة الجنائية الجزء الأول الرباط، مكتبة المعارف، 1983، ص 12 محمد الإدريسي العلمي المنيني المسطرة الجنائية الجزء الأول المؤسسات القضائية، الرباط، مطبعة المعارف الجديدة، منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية، 1991، ص 9

أهمية المسطرة الجنائية

غالبا ما يميل الشخص العادي وبشكل تلقاني إلى اعتبار المسطرة الجنائية والمسطرة عموما كشيء تافه يخلق نسيجا من الشكليات منعدمة الفائدة، حيث تصبح . المسطرة وعلى حد قول الفقيه PRADEL بمثابة عش من المنازعات، ليس من شأنه سوى تشجيع ذوي النيات السيئة والحيل الخبيثة. ومع ذلك يتابع نفسه الفقيه، تبقى هذه الانتقادات منصبة أساسا على مظاهر التعسف في المسطرة أكثر من وجودها في حد ذاته.

فعلى المستوى النظري، يمكن القول أن المسطرة الجنائية تصبح هي الوسيلة الرئيسية للوصول إلى التطبيق المرضى للعدالة في الميدان الجناني ذلك لأن كلا من القانون الجنائي العام والخاص ولو أدركا الكمال في مبادئهما وآثارهما، فإنهما يظلان فاقدين لكل فعالية، بل وأحيانا لكل فائدة إذا لم تتدخل المسطرة الجنائية لضمان تطبيقهما تطبيقا سليما، إذ اقتراف الجريمة ووجود الجاني لا يعفيان من احترام شروط إلقاء القبض والبرهنة على توفر المسؤولية الجنائية والمحاكمة وفقا لحرية الدفاع .....

من ناحية أخرى، إذا ظهرت عيوب نظام فاشل التجريم والعقاب تبقى إمكانية تفاديها ولو جزئيا رهينة باستخدام بعض مؤسسات المسطرة، مثل قاعدة ملاءمة المتابعات ومسألة التجنيح فكما يقول PLATON بفضل قضاة ممتازين يمكن استعمال قوانين معيبة وعلى نقيض ذلك، لا يمكن تحسين مسطرة معيبة بقوانين جنائية ذات جودة. مادام أن القيمة القانونية الحقيقية لهذه الأخيرة هي رهينة بما ستفرزه كل نازلة من خصوصيات سينعكس عدم التجاوب معها سلبا على فعالية قواعد التجريم والعقاب في حد ذاتها.

إن المسطرة الجنائية تتصدر مكانا من الحقل الاجتماعي تطبعة الحساسية المفرطة فهي توجد في مفترق طرق خطير تلتقي عنده مصالح المجتمع ومصالح الأفراد وإن رد الفعل المجتمعي ضد الجريمة ينطلق أولا وبلا مراء من مصلحة المجتمع، ولكن مصلحة هذا الأخير نفسه تقتضي ألا تضيع حقوق الأفراد وألا يكونوا عرضة للغين والحيف، وإذا

رابط التحميل

https://drive.google.com/file/d/1HM8YkhvWO5OHPj3ykTv-Zp8MXL4-MjvN/view?usp=drivesdk

What's Your Reaction?

like
0
dislike
1
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0